الصفحة 12 من 18

، فتدخل الخليفة القائم بأمر الله العباسي (422 - 467 للهجرة) ، و طلب الكتاب من أبي يعلى، فنظر فيه ثم رده إلى صاحبه، و كتب في ذلك محضرا وقّع فيه جمع من علماء بغداد من الأشاعرة و الحنابلة و أهل الحديث، و قعوا على المحضر بالموافقة على ما في كتاب أبي يعلى، منهم القاضي الأشعري أبو بكر الطيب الطبري. و كان الزاهد أبو الحسن القزويني (ت 442 هجرية) أول الموقعين، فكتب (( هذا قول أهل السنة، و هو اعتقادي، و عليه اعتمادي ) ). ثم أخرج الخليفة القائم الاعتقاد القادري -الذي كان والده القادر بالله قد كتبه- أخرجه تأييدا و موافقة لمذهب أبي يعلى الفراء [1] .

فالمؤرخ ابن الأثير أغفل أمورا هامة تتعلق بحادثة إنكار علماء من الأشعرية على أبي يعلى الفراء، كان عليه أن يذكرها و لا يغفلها، لأنها هامة جدا، و تتعلق مباشرة بالموضوع. فهو قد عمم الإنكار و جعله يشمل علماء بغداد من دون تمييز لهم و لا تحديد، ثم اغفل موقفهم الأخير الذي وافقوا فيه على المحضر، على اختلاف مذاهبهم. فكان عليه أن يذكر ذلك، و يُعلّق عليه إن كان لديه تعليق أو اعتراض. و هو قد فعل بعض ذلك -دون توسع- عندما أشار إلى ما قاله الزاهد القزويني، فأورد نصه، و عقّب عليه بقوله (( تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ) ).

و ثالثا إنه من أسباب إنكار ابن الأثير-و غيره من أهل العلم- على القاضي أبي يعلى و اتهامه بالتجسيم، هو أنه قد بالغ في إثبات الصفات معتمدا على أحاديث تُوهم التشبيه، و بعضها صريح في ذلك، و هي من الأحاديث الضعيفة و الموضوعة، كحديث الإسراء و المعراج الذي فيه إن الرسول -عليه الصلاة و السلام- رأى ربه عيانا، و هو حديث موضوع باتفاق أهل العم [2] .

و مع ذلك فإنه -أي أبو يعلى- لم يكن يعتقد التشبيه و لا التجسيم -وفق مفهوم أهل الحديث- و له مصنفات في الرد على المجسمة و المشبّهة، و قد دافع عنه ولده أبو الحسين، -صاحب الطبقات- و بيّن عقيدة والده في مسألة صفات الله تعالى، و برّأه مما اُتهم به. من ذلك أنه ذكر أن والده كان يعتقد في الله تعالى بأنه (( فرد الذات متعدد الصفات لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته ولا نظير ولا ثاني ) )،و الحنابلة سمعوا قوله عز وجل: آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب-سورة البقرة/1 - 3 - فآمنوا بما وصف الله به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا للقدرة وتصديقًا للرسل وإيمانًا بالغيب ... واعتقدوا: أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين وفارق بها سائر الموصوفين، فهم بها مؤمنون و بحقائقها موقنون وبمعرفة كيفيتها جاهلون، لا يجوز عندهم ردها كرد الجهمية و لا حملها على التشبيه كما حملته المشبهة الذي أثبتوا الكيفية، و لا تأولوها على اللغات والمجازات كما تأولتها الأشعرية. فالحنبلية لا يقولون في أخبار الصفات بتعطيل المعطلين ولا بتشبيه المشبهين ولا تأويل المتأولين مذهبهم: حق بين باطلين وهدى بين ضلالتين: إثبات الأسماء والصفات مع نفي التشبيه والأدوات )) [3] .

(1) أبو الحسين ابن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 197، 198.

(2) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، ط 1، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، ج 2 ص: 634، 636. 1406

(3) أبو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق، ج 2 ص: 208، 209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت