الصفحة 11 من 18

خاصة و أنه صرّح مرارا بأنه اعتمد على ما كتبه ابن مسكويه في تاريخه تجارب الأمم، و قد أشار أيضا إلى السنة التي أنهى فيها ابن مسكويه تدوين تاريخه [1] .

فهل ابن الأثير لم يكن على علم بمنشور ابن مسكويه؟، هذا احتمال وارد، لكنه مُستبعد جدا، بحكم أن الرجل عاد فعلا إلى كتاب تجارب الأمم و أخذ منه مرارا. و هل كان على علم به، و أغفله و تجاهله عمدا، و اختار المنشور المخالف لمنشور مسكويه، لتحقيق مكاسب مذهبية؟، هذا احتمال وارد و قوي جدا. و هل هو الذي تصرف في المنشور الأصلي، و أدخل فيه تلك الزيادات التي ليست منه؟، هذا احتمال وارد نظريا، و قد تكون له شواهد ترجحه، لكني اعتقد أن هذا مُستبعد جدا في حق ابن الأثير، لأنه كان فاضلا نبيلا، كريم الأخلاق [2] ، لا يسمح لنفسه بأن يقدم على دلك التحريف المُتعمد. لذا يبدو أنه أورد المنشور خطأ، أو غفل عنه، و أن غيره هو الذي حرّف المنشور، لكنه مع ذلك يبقى مسئولا في إيراده لذلك المنشور في تاريخه.

و أما الشاهد الثاني -المتعلق بموقف التعليل و الاتهام و التحامل- فيتعلق بكتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات للقاضي أبي يعلى الفراء الحنبلي البغدادي (ت 458 هجرية) ، و مفاده أن ابن الأثير ذكر أنه في سنة 429 هجرية أنكر (( العلماء على أبي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله، سبحانه وتعالى، المشعرة بأنه يعتقد التجسم، وحضر أبو الحسن القزويني الزاهد بجامع المنصور، وتكلم في ذلك، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا ) ). و قال أيضا -عن المؤلف و كتابه: (( وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض، تعالى الله عن ذلك، وكان ابن التميمي الحنبلي يقول: لقد خرى أبو يعلى الفراء على الحنابلة خرية لا يغسلها الماء ) ) [3] .

واضح من ذلك أن ابن الأثير اتخذ موقفا مُتشددا من القاضي ابي يعلى-شيخ الحنابلة في زمانه-، و اتهمه باعتقاد التشبيه في صفات الله تعالى، بناء على ما دونه في كتابه إبطال التأويلات، و على ما نقله عن أبي محمد رزق الله بن التميمي الحنبلي البغدادي (ت 488 هجرية) ، فيما قاله عن القاضي ابي يعلى. فهل أصاب فيما ذهب إليه؟.

أولا إنه-أي ابن الأثير- ذكر أن العلماء أنكروا على أبي يعلى، و هذا تعميم لا يصخ، لأن الذين أنكروا عليه ذلك هم الأشاعرة، و هم من بعض علماء بغداد و ليسوا هم علمائها. و كان القاضي أبو يعلى قد صنف كتابه إبطال التأويلات ردا على المتكلم الأشعري ابن فورك الأصفهاني (ت 406 هجرية) ن في تأويله للصفات على طريقة المؤولين و المعطلين لها، فرد عليه أبو يعلى بكتابه إبطال التأويلات لأخبار الصفات [4] ؛ فأنكر عليه علماء من الأشاعرة ببغداد، و اتهموه بالتشبيه و التجسيم. لذا فإن قول ابن الأثير: (( و فيها أنكر العلماء على أبي يعلى ) )، هو قول مبالغ فيه، و لا يُعبر عن الحقيقة، و لا يصح تعميمه.

و ثانيا إن ابن الأثير ذكر الخبر موجزا، و جمع فيه بين حادثتين منفصلتين متعلقتين بكتاب أبي يعلى، أنكر فيهما الأشاعرة على الرجل ما دوّنه في كتابه. و ذلك أن الإنكار الأول حدث سنة 429 هجرية، ثم تكرر ثانية في سنة 432 هجرية

(1) ابن الأثير: المصدر السابق، ج 7 ص: 71، 88، 389.

(2) ابن العماد الحنبلي: شذرات، ج 7 ص: 241، 242.

(3) ابن الأثير: المصدر السابق، ج 8 ص: 228، 378.

(4) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 6 ص: 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت