فمسألة الاختلاف في الجهر بالبسملة كان يستطيع أن يذكر مواقف الفقهاء و المذاهب منها، و يُبين درجة الأحاديث النبوية التي احتج بها كل طرف. علما بأن الجهر بالبسملة لم (( يثبت عن النبي-عليه الصلاة و السلام- أنه كان يجهر بها، و ليس في الصحيح، و لا السنن حديث صريح بالجهر، و الأحاديث الصريحة بالجهر كلها ضعيفة بل موضوعة ) ) [1] .
و أما القنوت في صلاة الفجر، فلم يكن النبي-عليه الصلاة و السلام- مداوما عليه، و قد ثبت في أحاديث صحيحة أنه -عليه الصلاة و السلام- لم يقنت بعد الركوع إلا شهرا، مما يُبين أن المتروك كان القنوت [2] .
و الترجيع في الآذان اختاره الإمامان مالك و الشافعي، و يرى مالك التكبير مرتين، و الشافعي يراه أربع مرات. و أما الإمام أبو حنيفة فقد تركه، و الإمام أحمد عنده سنة، و تركه أحب إليه [3] .
و يُلاحظ عليه أيضا أنه-أي ابن الأثير- أنه سكت عن جواب الإمام الذي نهاه الحنابلة عن الجهر بالبسملة، فأخرج لهم مصحفا و قال لهم: (( أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها ) ). و هذا الرجل مغالط في جوابه، لأن هؤلاء طلبوا منه عدم الجهر بالبسملة، و ليس عدم قراءتها، و الفرق واضح بين الأمرين. لكن ابن الأثير أغفل ذلك.
و ربما يُقال: إن ابن الأثير كان في صدد تدوين التاريخ من بداية الخليقة إلى عصره هو، و لم يكن في صدد تحرير المسائل الفقهية و الكلامية، و لم يكن له من الوقت لتحرير ذلك. قد يكون بعض ذلك مقبولا، لكن تحرير المسائل العلمية هو أيضا من التاريخ، فلا يصح أن يكون المؤرخ مجرد ناقل لا يفهم ما يكتب، و لا يحرر و لا يُمحص ما يُدوّن. لذا فإن عمل ابن الأثير في تدوينه لهذه الفتنة جاء ناقصا، لأنه أثار قضايا علمية تركها معلقة، و قد كان بمقدوره أن يسأل عنها أهل العلم فيقدمون له الإجابة جاهزة-إن كان هو غير قادر عن البحث عنها و تحريرها-. خاصة و أننا وجدنا له آراء كثيرة علّق بها على حوادث عديدة، عبّر بها عن مواقفه منها، سنذكر بعضها فيما يأتي إن شاء الله تعالى.
يتضمن هذا المبحث خمسة شواهد تاريخية أعرب- من خلالها- ابن الأثير عن موقفه من الحنابلة بصراحة. فكان بعضها متضمنا للتعليل و الاتهام و التكذيب، و كان بعضها الآخر صريحا في الاتهام بالتعصب و التحامل على الحنابلة.
فبالنسبة للشاهد الأول، فإنه يتعلق بالمنشور الذي أصدره الخليفة الراضي بالله (322 - 329 هجرية) ، على إثر الفتنة التي حدثت سنة 323 هجرية في بغداد، فقد روى ابن الأثير أن الحنابلة أحدثوا فتنة كبيرة بين الناس، عبّر عنها بقوله: (( و فيها عَظُم أمر الحنابلة، وقويت شوكتهم، وصاروا يكبسون من دور القوّاد والعامّة، وإن وجدوا نبيذًا أراقوه، وإن وجدوا مغنيّة ضربوها وكسروا آلة الغناء، واعترضوا في البيع والشراء، ومشى الرجال مع النساء والصبيان، فإذا رأوا ذلك سألوه عن
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 22، ص: 275.
(2) نفس المصدر، ج 21 ص: 153.
(3) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ج 2 ص: 41.