الصفحة 6 من 18

سبحانه يُقعد النبيَّ، صلى الله عليه وسلم، معه على العرش؛ وقالت الطائفة الأخرى: إنّما هو الشفاعة، فوقعت الفتنة واقتتلوا، فقُتل بينهم قتلى كثير )) [1] .

ذلك ما ذكره ابن الأثير عن هذه الفتنة، فلا علّق عليها، و لا حققها و لا محصها، و اكتفى بالسكوت و ترك الخلاف العلمي المتعلق بمعنى الآية قائما بين الطرفين المتنازعين. و كان بمقدوره أن يتخذ موقفا علميا مما اثاره الطبري، معتمدا على النصوص الشرعية و الفهم الصحيح لها، فلم يفعل ذلك، و لم يتخذ موقفا ضد الحنابلة و لا معهم، و اكتفى السكوت و الحياد السلبي.

و هذا موقف ناقص، لا يليق بأهل العلم بأن يذكروا الخلافات، و يُثيروا الشبهات، ثم يتركونها معلقة تُثير الشكوك و الشبهات، فكان موقف ابن الأثير ضرره أكثر من نفعه. لذا وجدنا المؤرخ الحافظ ابن كثير -عندما تعرّض لتلك الفتنة- لم يكتف بما فعله ابن الأثير، و إنما علّق عليه: (( وقد ثبت في صحيح البخاري أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى وهي الشفاعة في فضل القضاء بين العباد وهو المقام الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم ويغبطه به الأولون والآخرون ) ) [2] .

و بذلك يتبين أن موقف ابن الأثير ناقص، و كان عليه أن يُحرر الأمر و لا يتركه معلقا. علما بأن جماعة أبي بكر المروزي الحنبلي تمسكت بآثار ضعيفة و موضوعة ذكرت إقعاد الرسول-عليه الصلاة و السلام- على العرش، و تركت الروايات الصحيحة التي تخالف رأيها و تُبطله، و نصت على أن المقام المحمود هو شفاعة رسول الله-عليه الصلاة و السلام- لأمته يوم القيامة، و قد رواها البخاري، و أحمد بن حنبل، و ابن خزيمة، و غيرهم من المحدثين [3] .

و أشير هنا إلى أن جماعة أبي بكر المروزي الحنبلية- التي ذكر ابن الأثير أنها اثارت الفتنة-، لم يكن زعيمها-التي تنتمي إليه- على قيد الحياة عندما حدثت الفتنة، فقد تُوفي سنة 275 هجرية [4] ، و بقيت الجمعة تُنسب إليه.

و أما الشاهد الثالث- و هو الأخير من موقف الصمت- فمفاده أن ابن الأثير روى أنه في سنة 447 هجرية وقعت (( الفتنة بين الفقهاء الشافعية والحنابلة ببغداد، ومقدم الحنابلة أبو علي بن الفراء، وابن التميمي، وتبعهم من العامة الجم الغفير، وأنكروا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ومنعوا من الترجيع في الأذان، والقنوت في الفجر، و وصلوا إلى ديوان الخليفة، ولم ينفصل حال، وأتى الحنابلة إلى مسجد بباب الشعير، فنهوا إمامه عن الجهر بالبسملة، فأخرج مصحفًا وقال: أزيلوها من المصحف حتى لا أتلوها ) ) [5] .

و اضح من ذلك أن ابن الأثير اكتفى بذكر حوادث الفتنة، و التزم الصمت من دون أي تعليق عليها، مع أنه كان يستطيع أن يتخذ موقفا حكما بين الفريقين، و يُبيّن وجه الصواب فيما اختلف فيه هؤلاء. لكنه اكتفى بالسكوت، و لم يُبين وجه الصواب في ذلك، و هو موقف حيادي سلبي، لأنه ترك المسائل المُثارة في الفتنة معلقة تُثير الخلاف و لا تحله.

(1) ابن الأثير: المصدر السابق، ج 7 ص: 57.

(2) ابن كثير: المصدر السابق، ج 11، ص: 162.

(3) البخاري: الصحيح، دار ابن كثير، اليمامة - بيروت، 1407 - 1987 ج 2 ص: 536، ج 4 ص: 174. و أحمد بن حنبل: المسند، مؤسسة قرطبة، القاهرة، ج 3، ص: 244. و ابن خزيمة: كتاب التوحيد، 1978، دار الكتب العلمية، بيروت، ص: 305 - 306. و ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ط 1، دار الأندلس، بيروت، 1966، ج 4 ص: 335.

(4) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب، ج"ص: 313."

(5) ابن الأثير: المصدر السابق، ج 8 ص: 325.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت