الصفحة 5 من 18

عثرتُ على ثلاثة شواهد تاريخية تُبين أن ابن الأثير ذكر حوادث تتعلق بالحنابلة، كان في مقدوره أن يتكلم فيها بالتعليق و الترجيح، لكنه لم يفعل ذلك، و التزم الصمت و التوقف. فالأول مفاده أن ابن الأثير عندما أشار إلى ما حدث بين الطبري و خصومه من الحنابلة و العامة، ذكر أن من أسباب ذلك أن الطبري جمع كتابا ذكر فيه (( اختلاف الفقهاء، لم يصنف مثله، ولم يذكر فيه أحمد بن حَنبَل، فقيل له في ذلك، فقال: لم يكن فقيهًا، وإنّما كان محدّثًا، فاشتدّ ذلك على الحنابلة، وكانوا لا يحصون كثرة ببغداد، فشغبوا عليه ) ) [1] . و

و هو هنا قد ذكر موقف الطبري في أن أحمد بن حنبل كان محدثا لا فقيها، و انكار الحنابلة عليه في تبنيه لذلك الموقف. و اكتفى بذلك، و سكت عما أثاره الطبري، و كان بمقدوره أن يُحرر الموضوع و يُمحصه، و لا يُتركه معلقا، لكنه لم يفعل ذلك، و اكتفى بموقف الحياد السلبي، و ترك شبهة الطبري مُثارة. مع أنه كان باستطاعته أن يرجع إلى فقه أحمد بن حنبل ليتأكد بنفسه مما أثاره الطبري.

علما بأن أصحاب أحمد بن حنبل الأوائل قد جمعوا تراث إمامهم في مجلدات كثيرة، تضمّنت فتاويه و اختياراته الفقهية، من ذلك: كتاب مسائل أحمد، لأبي داود السجستاني (ت 275 هجرية) ، و هذا الكتاب منشور، و مُتداول بين أهل العلم.

و صنف أبو بكر الكوسج (242 هجرية) ، مسائل أحمد بن حنبل، ضمّنه فتاوى احمد، و قد وافقه عليها شخصيا [2] . و ألف أيضا أبو بكر الخلال (ت 311 هجرية) كتابا جامعا لفقه أحمد بن جنبل، عنوانه: الجامع الكبير لفقه أحمد بن حنبل، في نحو ثلاثين مجلدا [3] .

و بذلك يتبين أن لا ابن جرير الطبري أنصف أحمد بن حنبل، و لا ابن الأثير. مع قدرة كل منهما على أن يتأكد من الأمر بنفسه. و المعروف تاريخيا أن ابن حنبل كان محدثا فقيها مجتهدا، و قد طلب فقه الرأي و الأثر معا [4] . و تراثه الفكري قد جمعه أصحابه من بعده، و هو شاهد على أن صاحبه كان محدثا فقيها مجتهدا في استنباط الأحكام الشرعية.

و أُشير هنا إلى أن شبهة الطبري استمرت في الانتشار، و كانت ما تزال رائجة بين بعض أهل العلم إلى القرن السادس الهجري. و ذلك أن الفقيه المتكلم أبا الوفاء بن عقيل البغدادي الحنبلي (513 هجرية) قال: (( ومن عجيب ما نسمعه من هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه، لكنه مُحَدِّث. وهذا غاية الجهل لأنه قد خرج عنه اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم. وخرج عنه من دقيق الفقه ما لا تراه لأحد منهم ) )، ثم أورد أمثلة على ذلك [5] .

و أما الشاهد الثاني، فمفاده أنه في سنة 317 هجرية، ذكر ابن الأثير أنه حدثت (( فتنة عظيمة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المَرْوَزيّ الحَنبليّ وبين غيرهم من العامّة، ودخل كثير من الجند فيها؛ وسبب ذلك أنّ أصحاب المَرْوَزيّ قالوا في تفسير قوله تعالى:(عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) - الاسراء:79 - هو أنّ الله

(1) ابن الأثير: المصدر السابق، ج 7 ص: 8 - 9.

(2) ابو الحسين بن أبي يعلى: المصدر السابق، ج 1 ص: 64.

(3) بدر الدين الحنبلي: مختصر فتاوى ابن تيمية، حققه عبد المجيد سليم، دار الكتب العلمية، بيروت، د ت، ص: 614.

(4) ابن كثير: المصدر السابق، ج 11، ص: 326.

(5) ابن رجب: المصدر السابق، ج 1 ص: 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت