الصفحة 8 من 18

الذي معه مَن هو، فأخبرهم، وإلاّ ضربوه وحملوه إلى صاحب الشرطة، وشهدوا عليه بالفاحشة، فأرهجوا بغداد )) [1] .

(( فركب بدر الخرشَنيُّ، وهو صاحب الشُّرطة، عاشر جمادى الآخرة، ونادى في جانبَيْ بغداد، في أصحاب أبي محمّد البربهاريّ الحنابلة، ألاّ يجتمع منهم اثنان ولا يتناظروا في مذهبهم ولا يصلّي منهم إمام إلاّ إذا جهر ببسم الله الرحمن الرحيم في صلاة الصبح والعشاءَين، فلم يفد فيهم، وزاد شرّهم وفتنتهم، واستظهروا بالعميان الذين كانوا يأوون المساجد، وكانوا إذا مرّ بهم شافعيُّ المذهب أغروا به العميان، فيضربونه بعصيهم، حتّى يكاد يموت ) ). فأصدر الخليفة منشورا زجر فيه الحنابلة، و أنكر عليهم أفعالهم، و وبخهم باعتقاد التشبيه، فمنه (( تارة أنّكم تزعمون أنّ صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال ربّ العالمين، وهيئتكم الرذلة على هيئته، وتذكرون الكفّ والأصابع والرجلَيْن والنعلَيْن المُذهّبَين، والشعر القطط، والصعود إلى السماء، والنزول إلى الدنيا، تبارك الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون، علوًّا كبيرًا، ثم طعنكم على خيار الأئمّة، ونسبتكم شيعة آل محمّد، صلى الله عليه وسلم، إلى الكفر والضلال، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، وإنكاركم زيارة قبور الأئمّة، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع، وأنتم مع ذلك تجتمعون على زيارة قبر رجل من العوامّ ليس بذي شرف، ولا نسب، ولا سبب برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتأمرون بزيارته، وتدّعون له معجزات الأنبياء، وكرامات الأولياء، فلعن الله شيطانًا زيّن لكم هذه المنكرات، وما أغواه. و أمير المؤمنين يقسم بالله قسمًا جهدًا إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنتهوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنّكم ضربًا وتشريدًا، وقتلًا وتبديدًا، وليستعملنّ السيف في رقابكم، والنار في منازلكم و محالّكم ) ) [2] .

واضح من هذا المنشور أنه تضمن اتهامات باطلة ضد الحنابلة، فلم نجد في كتبهم أنهم يطعنون في خيار الأمة، و لا نسبوا آل البيت إلى الكفر و الضلال، بل هم من أكثر أهل السنة تعظيما للسلف الصالح، و كتب الشيخين ابن تيمية و ابن قيم الجوزية شاهدة على ذلك. و لا توجد في كتبهم أيضا أنهم يدعون لأحمد بن حنبل معجزات الأنبياء، مما يعني أن كاتب المنشور تعمد اتهام الحنابلة بتلك الأباطيل، أو أن المنشور ربما تعرض للتحريف بالزيادة و النقصان فيما بعد قبل تدوين ابن الأثير لتاريخه، بدليل أن اتهام الحنابلة بذلك لا يُوجد في منشور الراضي الذي أورده المؤرخ ابن مسكوية في تجارب الأمم [3] . كما أن ابن الأثير سكت عن هذه الاتهامات الموجهة ضد الحنابلة.

غير أن أخطر ما في المنشور هو بدايته، التي نصت صراحة على اتهام الحنابلة باعتقاد التشبيه و التجسيم في ذات الله تعالى، و أنهم يُشبهونه بمخلوقاته. و هذا طعن فيهم , و تشهير بهم، و تنفير منهم، و ازدراء بهم. فهل يتحمل ابن الأثير مسئولية تلك الاتهامات؟، إنه قد يُقال: إنه لا يتحملها، لأنه كان ناقلا لمنشور الخليفة الراضي بالله، و لم يكن له دخل في كتابة مضمونه. و هذا جواب له وجه من الصحة.

(1) ابن الأثير: المصدر السابق، ج 7 ص: 113.

(2) نفسه، ج 7 ص: 113 - 114.

(3) سيأتي ذكره قريبا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت