الصفحة 9 من 18

لكنه - من جهة أخرى- يبقى مسئولا بدرجة كبيرة عما أورده في المنشور، لأنه ترجّح لديّ أن المنشور الذي ذكره في تاريخه ليس هو المنشور الأصلي الذي أصدره الخليفة الراضي، و أن منشوره قد تعرّض فعلا للتحريف بالزيادة و النقصان. و أما المنشور الأصلي أو القريب منه، فهو المنشور الذي أورده المؤرخ ابن مسكويه في تاريخه، و نصه: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من نافق بإظهار الدين، و توثّب على المسلمين، و أكل به أموال المعاهدين، كان قريبا من سخط رب العالمين، و غضب الله، و هو من الضالين. و قد تأمل أمير المؤمنين أمر جماعتكم، و كشف له الخبرة عن مذهب صاحبكم ... زين لحزبه المحظور، و يُدلي لهم حبل الغرور. فمن ذلك تشاغلكم بالكلام في رب العزة، تباركت أسماؤه، و في نبيه، و العرش و الكرسي، و طعنكم في خيار الأمة، و نسبكم شيعة أهل بيت رسول الله -صلى الله عليه و سلم- إلى الكفر و الضلال، و إرصادهم بالمكاره في الطرقات و المحال. ثم استدعائكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة، و المذاهب الفاجرة التي لا يشهد بها القرآن، و لا تقتضيها فرائض الرحمن و انكاركم زيارة قبور الأئمة -صلوات الله عليهم-،و تشنيعكم على زوارها بالابتداع. و إنكم مع إنكاركم ذلك تتلفقون، و تجتمعون لقصد رجل من العوام ليس بذي شرف، و لا نسب، و لا سبب برسول الله -صلى الله عليه و سلم -، و تأمرون بزيارة قبره، و الخشوع لدى تربته، و التضرع عند حفرته. فلعن الله ربا حملكم على هده المنكرات ما اأرداه، و شيطان زينها لكم ما أغواه. و أمير المؤمنين يقسم بالله قسمًا جهدًا إليه يلزمه الوفاء به لئن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم ومعوج طريقتكم ليوسعنّكم ضربًا وتشريدًا، وقتلًا وتبديدًا، وليستعملنّ السيف في رقابكم، والنار في محالكم و منازلكم. فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فقد أُعذر من أنذر، و ما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله، عليه يتوكل، و إليه يُنيب ) ) [1] .

يُلاحظ على هذا المنشور ما يأتي: أولا لا يُوجد فيه المقطع الذي اتهم الحنابلة باعتقاد التشبيه و التجسيم، و التشهير بهم، و هو المقطع الذي أورده ابن الأثير في منشوره. و إنما جاء في منشور مسكويه هذا المقطع: (( . فمن ذلك تشاغلكم بالكلام في رب العزة، تباركت أسماؤه، و في نبيه، و العرشي و الكرسي ) ). فالخلاف واضح و كبير بين المقطعين، و لا يُوجد فيه أي طعن في الحنابلة باعتقاد التشبيه و التجسيم، و لا يُوجد فيه اتهامهم بوصف الله تعالى بصفات بني آدم. و لا فيه اتهام الحنابلة بأنهم يدعون لإمامهم أحمد معجزات الأنبياء، و كرامات الأولياء.

و ثانيا إن منشور ابن مسكويه هو الأصل , و ليس منشور ابن الأثير، لأن ابن مسكويه كان قريبا زمنيا من سنة إصدار الخليفة الراضي للمنشور سنة 323 هجرية، و ذلك أن ابن مسكويه تُوفي سنة 421 هجرية، و بما أن المصادر لم تذكر سنة ميلاده، و لا كم عاش بالتقريب، فإننا لا نستطيع تحديد الزمن بينه و بين إصدار المنشور بدقة. لكن يمكننا معرفة ذلك بالتقريب بناء على أنه قد عاش معظم حياته في القرن الرابع الهجري، و قد كان صديقا لعضد الدولة البويهي المتوفى سنة 371 هجرية. و هذا يعني أنه كان كبيرا عندما توفي صديقه هذا، و إلا ما وصل إلى أن يكون صديقا للملك البويهي عضد الدولة [2] . و هذا خلاف ابن الأثير الذي

(1) ابن مسكويه: تجارب الأمم، حققه آمدروز، د ن، القاهرة، 1914، ج 1، ص: 322 - 323.

(2) القفطي: اخبار العلماء بأخبار الحكماء، دن، دم ن، د ت، ص: 142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت