الصفحة 10 من 18

هو بعيد جدا عن حادثة إصدار الراضي لمنشوره، لأنه ولد سنة 555 هجرية، و تُوفي سنة 630 للهجرة، فالفارق الزمني بينه و بين وفاة ابن مسكويه كبير، و بينه و بين الحادثة أكبر.

و ثالثا إنه يُلاحظ على منشور ابن الأثير أنه يتضمن تغليطا مكشوفا -لا يُوجد في منشور ابن مسكويه- يتمثل في أنه زعم أن الحنابلة وصفوا الله تعالى بالنزول إلى السماء الدنيا، و هدا تغليط و تلاعب و تحريف، لأن الذي وصف الله تعالى بالنزول ليس الحنابلة، و إنما هو رسول الله-عليه الصلاة و السلام- وصفه بذلك في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري و مسلم، و نصه: (( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ) ) [1] . فإنكار النزول هو رفض للشرع و ترك له.

و رابعا إنه تبيّن لي أن الزيادة التي ذكرها ابن الأثير في منشوره، هي زيادة مُقحمة في النص الأصلي، و ليست أصلية فيه، بدليل الشواهد الثلاثة الآتية: أولها يتمثل فيما علقنا به على النصين في: ثانيا، وبينا أن منشور ابن مسكويه هو الأصل، و لا توجد فيه زيادة منشور ابن الأثير.

و الثاني مفاده أن الزيادة التي وردت في منشور ابن الأثير دون منشور ابن مسكويه، هي زيادة أقحمها بعض خصوم الحنابلة من الأشاعرة أو غيرهم في منشور ابن الأثير، أخذوها من مصدر أشعري هو خطاب كبار علماء أشاعرة بغداد إلى الوزير السلجوقي نظام الملك، الذي أرسلوه إليه على إثر فتنة ابن القشيري سنة 469 هجرية. و مما جاء فيه أنه وصف الحنابلة بأنهم: (( أبو إلا التصريح بأن المعبود ذو قدم وأضراس و لهوات وأنامل وإنه ينزل بذاته ويتردد على حمار في صورة شاب أمرد بشعر قطط وعليه تاج يلمع وفي رجليه نعلان من ذهب ) ) [2] . فالتشابه بين النصين كبير جدا، وبعض ألفاظهما واحدة، كالنزول، و الشعر القطط، و الرجلين، و النعلين المذهبين. فالمعنى واحد تقريبا، و الغاية واحدة أيضا، هي اتهام الحنابلة بالتشبيه و التجسيم، و الطعن فيهم، و التشهير بهم.

و الشاهد الثالث مفاده أن الاتهامات التي وجهها منشور ابن الأثير للحنابلة بأنهم يعتقدون التشبيه، هي اتهامات لا تصح، و لا وجود لها في مؤلفات الحنابلة المعتبرة؛ فهم لا يعتقدون التشبيه، و لا التجسيم، و لا التكييف، و لا يُؤوّلون الصفات و لا يُعطلونها، و إنما يثبتون من الصفات ما أثبته الشرع لله تعالى من صفات، و اعتقادهم هذا ثابت في كتب ائمة الحنابلة كابن تيمية، و ابن قيم الجوزية [3] .

و بناء على ذلك، فهل ابن الأثير هو الذي أقحم تلك الزيادة في المنشور الذي أورده في تاريخه؟؟، إننا لا نتهمه بذلك، لكن الثابت هو أن المنشور الذي أورده ابن الأثير تعرّض فعلا للتحريف بالزيادة و النقصان على أيدي خصوم الحنابلة، لتحقيق مكاسب مذهبية. علما بأن ابن الأثير يبقى مسئولا عما أورده سواء تم ذلك التحريف بعلمه أو بدون علمه، و كان عليه أن يتحقق مما أورده في منشوره.

(1) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 384. و مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 521.

(2) ابن عساكر: تبيين كذب المفتري، ط 3، دار الكتاب العربي - بيروت، 1404 ص: 311.

(3) سنوثق ذلك لاحقا من هذا المبحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت