الصفحة 7 من 14

ولقد كان لطغيان المفهوم المادي أثره البعيد في الفلسفة التي حاولت أن تلغي كل ما وراء الطبيعة ولا تعترف به. غير أن العلم اليوم أصبح يعترف بأن هناك عالمًا آخر، وأن أمام العلماء من الدلائل ما يؤكد ذلك، فكيف تنكر الفلسفة هذا العالم؛ إنها اعتمدت على العقل والحواس وهما قاصران، والعلم نفسه يعترف بأن العقل البشري لا يستطيع أن يدرك شيئًا إلا عن طريق الحواس، ولذلك فإن كل ما يقع وراء الحس والعقل لا يمكن للعلم أن يبحث فيه أو أن يعرف عنه شيئًا. ولقد تبين أن هناك مسائل عديدة لا يستطيع العلم أن يجد لها حلًا ولا يصل إلى فهمها، واعتماد الفلسفة والعقل والحس لا يؤدي إلى شئ، إذن فهناك علم آخر مكمل لهذه العلوم: هو ذلك العلم الذي أرسل الله به الرسل وجاء به الوحي، وقرره كل كتاب سماوي. وإذا عجز العلم، وطاشت الفلسفة، فإن في أيدينا نحن المسلمين ما يسد الفراغ، ولقد أعطانا الدين الحق صورة كاملة لهذه الجوانب التي يعجز العقل والعلم عن الكشف عنها؛ حتى لا تكون في متاهة البحث الشاق تغير أدوات، والذي لا يصل إلى شئ، ولقد جاءت رسالات الأنبياء لتمنح الإنسان ذلك الأفق الواسع الرحب من الفهم، ليعرف أبعاد وجوده وكيانه وحياته ومصدره وماله، ويعرف ما بعد الموت، وما بعد الطبيعة جميعًا حتى تكون رؤيته للأشياء وتقديره سليمًا وحتى تكون إرادته الخاصة ومسئولياته الفردية قائمة على أساس من الفهم والعدل.

إن وراء العقل الروح ووراء البصر البصيرة. والعقل هاد يستمد ضياءه من الروح وكلاهما العقل والبصر لا يدرك ما فوق مرتبته ولكنه يستطيع أن يعلم، فإن لو رأيت حجرًا يرتفع في الهواء لعلمت أن راميًا رمى به، فعلمك أن راميًا رمى به ليس من قبل البصر، بل هو من قبل العقل؛ لأن العقل هو الذي يميز ويعلم أن الحجر لا يذهب علوًا من تلقاء نفسه، أرأيت كيف أن البصر وقف عند حده فلم يتجاوزه فكذلك يقف العقل عند حده من معرفة الخالق تبارك وتعالى فلا يعدوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت