الصفحة 8 من 14

وعدم العلم بوجود الشيء لا يعني عدم وجوده، وعدم القدرة على الإحاطة بوجود الشئ لا يعني عدم وجوده، إذا كان الجهاز المستعمل (وهو العقل) في ذلك أقل وأصغر من الموجود نفسه.

وهنا نعرف محدودية العقل ومحدودية مهمة العلم وعجز الفلسفة عن طريق العقل عن الوصول إلى كُنه الأشياء وحقائق الوجود، والله تبارك وتعالى لا تدركه الأبصار؛ ولكنها تعرفه في خلقه ونظام كونه (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) .

إن المعرفة التجريبية هي التي أخذت مفهوم العلم ولكن الفلسفة ليست إلا افتراضات خارج دائرة التجريب تحاول أن تصطنع الأسلوب العلمي في النظر والاستدلال. ولا تخلو من الأهواء والمطامع. وهي حين تحاول أن تنقل التجريب إلى عالم النفس والإنسانيات والأخلاق تتعثر وتخطئ. فإن مفاهيم الاجتماع والنفس والتربية والأخلاق لا تخضع للتجريب؛ لاختلاف النفوس والطبائع والبيئات والعصور، ولكن العلوم المادية تخضع لذلك. وكل ما يقال عنه في هذا المجال أنه علم فهو فلسفة. والفلسفة المعاصرة حسية مادية واقعية لا تعترف مطلقًا بغير ما يقع تحت التجربة من محسوس وملموس. ولذلك فهي تنكر العوالم الغيبية التي أصبح العلم يعترف بها. وهي تنكر الوحي والألوهية والنبوة والبعث والجزاء والأديان والكتب المنزلة. وهي لذلك قاصرة عن فهم أبعاد الحياة والوجود التي يعرفها المؤمن بالله، ومن أجل ذلك فقد اختفت في صياغة حياة ناجحة أو نافعة؛ لأنها عجزت عن العطاء الأخلاقي الذي يشكل الوازع النفسي. وقد جاء هذا النقص نتيجة الغلو في النظرة المحسوسة والتجارب الآلية والرياضية -كما يقول الدكتور محمد البهي- لأن هذا الغلو ركز القيمة كل القيمة فيما يدركه الحس وينشأ عن التجارب المادية، ولذا ألغى اعتبار المثل والقيم الرفيعة في حياة الإنسان كما ألغى رسالة الدين في توجيه الناس نحو الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت