الصفحة 23 من 25

المسلمون في هذه العصور الأخيرة فيما نهاهم الله عنه من طاعة الذين كفروا، فأسلموا إلى الكفار عقولهم وألبابهم، وأسلموا إليهم في بعض الأحيان بلادهم، وصاروا في كثير من الأقطار رعية للكافرين من الحاكمين، وأتباعًا لدول هي ألد أعداء الإسلام والمسلمين، ووضعوا في أعناقهم ربقة الطاعة لهم، بما هو من حق الدولة من طاعة المحكوم للحاكم، بل قاتل ناس ينتسبون للإسلام من رعايا الدول العدوة للإسلام إخوانهم المسلمين في دول كانت إسلامية إذ ذاك، ثم عمَّ البلاء فظهر حكام في كثير من البلاد الإسلامية يدينون بالطاعة للكفار عقلًا وروحًا وعقيدةً، واستذلوا الرعية من المسلمين وبثوا فيهم عداوة الإسلام بالتدريج، حتى كادوا يردوهم على أعقابهم خاسرين، وما أولئك بالمسلمين، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون) [1] .

وقال رحمه الله في بيان حقيقة هؤلاء الحكام وأحكامهم، والذين يحرِّم هؤلاء المنتقدون للمجاهدين الخروج عليهم ويعتبرونه خروجًا عن الإسلام وذلك في تعليقه على تفسير قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} ، حيث قال رحمه الله: (فانظروا أيها المسلمون! في جميع البلاد الإسلامية أو البلاد التي تنتسب إلى الإسلام في أقطار الأرض إلى ما صنع بكم أعداؤكم المبشرون والمستعمرون، إذ ضربوا على المسلمين قوانين ضالة مدمرة للأخلاق والآداب والأديان، قوانين افرنجية وثنية، لم تُبْن على شريعة ولا دين، بل بنيت على قواعد وضعها رجل كافر وثني أبي أن يؤمن برسول عصره عيسى عليه السلام وأصر على وثنيته، إلى ما كان من فسقه وفجوره وتهتكه! هذا هو"جوستنيان"أبو القوانين وواضع أسسها - فيما يزعمون - والذي لم يستح رجل من كبار رجالات القانون المنتسبين ظلمًا وزورًا إلى الإسلام، أن يترجم قواعد ذاك الرجل الفاسق الوثني، ويسميها مدونة جوستنيان سخرية وهزءًا بمدونة مالك رحمه الله إحدى موسوعات الفقه الإسلامي المبني على الكتاب والسنة والمنسوبة إلى إمام دار الهجرة، فانظروا إلى مبلغ الرجل من السخف، بل من الوقاحة والاستهتار!

هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام السافر هي في حقيقتها دين آخر جعلوه دينًا للمسلمين بدلًا من دينهم النقي السامي، لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثيرًا كلمات تقديس القانون وقدسية القضاء مثل؛"حرم المحكمة"، وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء الإسلاميين، بل هم حينئذ يصفونها بكلمات الرجعية والجمود والكهنوت وشريعة الغاب! إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية، التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين! ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين ودراساتها كلمة الفقه والفقيه والتشريع والمشرع، وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها، وينحدرون فيتجرأون على الموازنة بين

(1) عمدة التفسير مختصر تفسير ابن كثير لأحمد شاكر: 3/ 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت