أرجل هؤلاء الأساتذة، بما قدمه هؤلاء المجاهدون الأخيار من دروس عملية على الأرض لمعاني التوحيد والتوكل على رب الأرباب، ولإفراد الله تعالى بالخوف والخشية، ولمعانى التضحية والفداء الحقيقية، لقد أعاد المجاهدون الكرام سيرة الأوائل الشامخين والأبطال الصامدين، وعرَّوا هؤلاء الأدعياء من كل ما لبسوه من لبوس القيادة والإمامة - زورًا وبهتانًا - دهرًا طويلًا، ولقد أضحى الأمر لا يخفى إلا على من حاول إخفاء نور الشمس في وضح النهار.
وأخشى على هؤلاء أن يجرهم الشيطان إلى مشابهة من همَّ النَّاس أن يقلدوه عليهم ملكًا ويعصبوه عصابة الملك ولكن رحمة الله تعالى أدركتهم بنور الإسلام والهدي المبين، فنقم على أهل الإسلام الصادق بغيًا وحسدًا، وهم يعرفون قبل غيرهم صدق ما شنعوا عليه وشغبوا!
فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على قطيفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة رضي الله عنه في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمَّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: (لا تغبروا علينا) ، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: (أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًا فلا تؤذنا به في مجلسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه) ، فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: (بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك) ، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة رضي الله عنه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي -؟! قال كذا ... وكذا ... ) ، قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: (يا رسول الله، اعف عنه واصفح عنه، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله؛ شَرَقَ بذلك، فذلك فعل به ما رأيت) ، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] .
فالحقيقة التي لابد أن تقال هنا - مهما غضب من غضب ونفر من نفر -؛ أن ميدان المعركة الدائرة الآن بين ملل الكفر مجتمعة وأهل الإسلام لا يحتمل وجود الأدعياء في الصف، وإن رحى الحرب الدائرة الآن لتلفظ كل من ليس من أهل النزال والتضحية والفداء، وإن كير المحنة الملتهب اليوم لم يدع لأحد حلا وسطا.
(1) رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان والبيهقي والبزار، وابن إسحاق في"السيرة"، وعبد الرزاق في مصنفه، والطحاوي في"شرح معاني الآثار".