فهرس الكتاب
، والشراب له، بل ويتقاتلون لنيل هذا الشرف.
ثالثاَ: ولم يكن للمسلمين ولاية على المسجد الأقصى:
ذكر الشيخ الشعراوي - رحمه الله تعالى - أن المسلمين لم تكن لهم ولاية على المسجد الحرام.
أقول: أيضاَ لم يكن للمسلمين في تلك الآونة ولاية على المسجد الأقصى الذي كانوا يتوجهون إليه في صلاتهم لمدة زادت عن العام والنصف، فمما هو معلوم أن المسجد الأقصى ما فتح إلا في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، نسأل الله أن يعجل بتخليصه من أيدي اليهود عليهم من الله ما يستحقون.
تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام له أهداف شرعية عظيمة، ودلالات كبيرة، ومن هذه الأهداف، والدلالات ما يأتي:
كان هذا التحويل إيذانًا، وإعلاماَ للبشرية على اختلاف توجهاتها أن النبوة قد انتقلت من ولد إسحاق ? إلى ولد إسماعيل ?، فقد شاء ت إرادة الله تعالى أن يأتي أنبياء بنى إسرائيل جميعًا من نسل إسحاق?، أما إسماعيل ? فلم يأت من نسله سوى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وختم الله به الرسالات، قال تعالى: ?مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا? [1] الحكم، والنبوة، بل والسيادة قد انتقلت من بنى إسرائيل إلى أمة العرب، ولعل أصدق دليل على هذا: رحلة الإسراء برسولنا صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، ولقائه بالأنبياء جميعًا وإمامته لهم، كان هذا إعلانا أيضًا من العلي القدير أن مواريث الأنبياء جميعًا قد آلت إلى خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، ومن العجيب أن اليهود أنفسهم يعرفون ذلك، ولكن قبح الله الكبر، والحقد، قال تعالى: ? الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون َ? [2] عرفوا الحق فأنكروه فاستحقوا بذلك أن تنزلت عليهم اللعنات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: ? إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللَّاعِنُونَ ? [3] .
قال الدكتور محمد خليل هراس:"اقتضت حكمة الله تعالى أن يبعث على الناس في عهد النبوة بين الحين، والحين ريح فتنة يبتلى بها ما في النفوس؛ ليظهر الصادق في إيمانه،، والتي لا تزلزله الفتن، ولا تنال منه الزعازع، من المنافق الذي لا يلبث أن يكشف ما في نفسه من ظلمات الشكوك، وعوامل الهزيمة، فيذوب في الفتنة كما يذوب الملح في الماء، ولقد كان حادث تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام إحدى هذه الابتلاءات الكبرى التي أراد الله تعالى بها هز المجتمع الإسلامي لتسقط عن شجرته المباركة الأوراق اليابسة، والثمرات العفنة، ولا يبقى إلا القوى الجيد الذي له من صلابة الإيمان، وقوة اليقين، ونور البصيرة ما يرد عنه مضلات الفتن، وينجيه من بوائقها [4] ."
ولقد ذكر الله تعالى صراحة أن من حكمة هذا التحويل الابتلاء فقال تعالى: ?وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَة َالَّتِي كُنتَ عليها إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ?
(1) (الأحزاب/40) .
(2) (البقرة/146) .
(3) (البقرة/159) .
(4) تحويل القبلة د/محمد خليل هراس، بتصرف، التوحيد (1415) ،عدد شعبان ص (14) .