فهرس الكتاب
مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ? [1] وقريب من هذا ماثبت في الصحيحين من حديث أبى الزناد، عن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لِصَاحِبَتِهَا إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ وَقَالَتِ الْأُخْرَى إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَام فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتِ الصُّغْرَى لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى) [2] .
أما الملك الذي لاينبغي لأحد من بعده، فقال رب العزة عن تسخير الريح والجن: قال تعالى ?فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفي وَحُسْنَ مَآبٍ? [3] بالإضافة إلى أنه عُلم منطق الطير فسمع كلام النملة، وخاطب الهدهد، وخاطبه، فسبحان الذي ?عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ? [4] فإذا كان الله بفضله، وبرحمته استجاب لنبيه سليمان - عليه السلام -، وجعله موفقًا، ومصيبًا في حكمه، وآتاه ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحد من بعده، وقد حدث هذا، وعرفناه من أوثق المصادر على الإطلاق وهو: القرآن الكريم فنحن نحتسب أن يكون الله تعالى قد استجاب له الدعاء الثالث، وهو أنه لا يأت هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، لاسيما وقد عقب الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَة)
ومع هذا الربط الكبير، والفضائل العظيمة إلا أن كلا من المسجدين انفرد بفضائل عن غيره من سائر مساجد الأرض، فمن فضائل المسجد الحرام:
ومما ينفرد به المسجد الحرام أنه يقع في أرض هي خير أرض الله، وأحب أرض إليه سبحانه، وكفي به شرف، فلما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة، وقف يخاطبها قائلًا: (وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ) [5] .
قال تعالى: ?وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا? [6] فمما يتميز به المسجد الحرام أن الله تعالى جعله مثابة للناس، أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وطرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقا.
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها
حتى يعود إليها الطرف مشتاقًا
قال ابن القيم:"جعل البيت مثابة للناس يثوبون إليه، ولا يقضون منه وطرًا، فالقلوب فطرت على محبته، دائمة الاشتياق إليه متوجهة إليه حيث كانت. [7] فلله كم لها من قتيل، وسليب، وكم أُنفق في حبها الأموال، والأرواح، والأحباب، والأوطان، مقدمًا بين يديه أنواع المخاوف، والمتالف، والمعاطب، والمشاق، وهو يستلذ ذلك كله، ويستطيبه ويراه- إن ظهر سلطان المحبة في قلبه - أطيب من نعم المتحلية، ولذاتهم [8] ."
ومن فضائل هذا البيت أن الله تعالى جعله مهوى لأفئدة الموحدين، في كل زمان ومكان، قال تعالى حاكيًا دعاء خليله، وباني بيته الحرام إبراهيم - عليه السلام: ? رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ? [9] .
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهم:"لو قال أفئدة الناس لازدحم عليه فارس، والروم، واليهود والنصارى، والناس كلهم، ولكن قال: من الناس فاختص به المسلمون [10] ."
قال ابن القيم:"وهذا واضح جلى في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب، وانعطافها، ومحبتها لهذا البيت فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد" [11] .
ومن الفضائل العظيمة لهذا البيت أن الله تعالى أضافه لنفسه إضافة تكريم، وتشريف، فكل شئ أضافه الله تعالى لنفسه فله من الفضل، والاختصاص عن غيره ما يوجب له الاصطفاء، والاجتباء، قال تعالى: ? وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ? [12] أي تطهيره من كل ما لا يليق ببيوت الله من الأقذار، والأرجاس، والأوثان.
ولابن القيم - رحمه الله تعالى- كلام قيم حول هذه الإضافة قال رحمه الله:"وأضافه إليه بقوله: ?طَهِّرَا بَيْتي? وهذه الإضافة مع التي أسكنت في القلوب من محبته، والشوق إليه ما أسكنت!، وهى التي أقبلت بأفئدة العالم إليه، فلما استقرت هذه الأمور في قلوب أهل الإيمان، وذكروا بها، فكأنها نادتهم أن استقبلوه في الصلاة، ولكن توقفت على ورود الأمر من رب البيت، فلما برز مرسوم ?فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? [13] تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والراسخون في الإيمان بالبشر، والقبول، وكان عيدًا عندهم؛ لأن رسول صلى الله عليه وسلم الله كثيرًا ما كان يحول وجهه في السماء ينتظر أن يحوله الله عن قبلة أهل الكتاب، فولاه الله القبلة التي يرضاها [14] ."
ومن فضائله أن الله تعالى جعله حرمًا آمنا ً، لا يسفك فيه دم، ولا تعضد به شجرة، ولا ينفر فيه صيد، فلقد دعا خليل الرحمن إبراهيم - عليه السلام - ربه قائلًا:? وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ? [15] وقال رب العزة: ?وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا? [16] وقال سبحانه: ? وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا? [17] فصان الله تعالى بيته
(1) (الأنبياء/ 78، 79) .
(2) رواه البخاري في الفرائض، باب إذا ادَّعتِ المرأةُ ابنا ًبرقم (6621) ، ومسلم في الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين، برقم (4449) .
(3) (ص /36: 40) .
(4) (العلق/4، 5) .
(5) صحيح وتقدم.
(6) (البقرة/125) .
(7) بدائع الفوائد، 4/ 966.
(8) زاد المعاد (1/ 52،51) .
(9) (إبراهيم/37) .
(10) تفسير القرآن العظيم (2/ 542) .
(11) زاد المعاد (1/ 51) .
(12) (البقرة/125) .
(13) (البقرة/144) .
(14) بدائع الفوائد 4/ 966.
(15) (البقرة/126) .
(16) (آل عمران/97) .
(17) (البقرة/125) .