إن انتماء الأدب المثلث الوجوه إلى عالم الأذهان الفردية والأشكال المجردة والبنيات الجماعية يجعل دراسته عسيرة. ويصعب علينا أن نتصور هذه الظواهر في أبعاد ثلاثة، وبخاصة عندما يكون علينا أن نرجع إلى تاريخها. والواقع أن التاريخ الأدبي نفسه اعتمد لعدة قرون ومايزال يعتمد غالبا على دراسة الإنسان والآثار فقط -السيرة الذهنية وتفسير المتون -معتبرا البيئة الجماعية نوعا من الزخرف أوالزينة متروكا لفضول مؤرخي السياسة.
إننا لنلمس عدم وجود رؤية اجتماعية حقيقية حتى في أفضل مختصرات كتب التاريخ الأدبي من النوع التقليدي. ويحدث أن يعي الكتاب بعدا اجتماعيا، ويحاولوا أن يعطوه شكلا، ولكن باتباعهم أسلوبا دقيقا ومتوافقا مع هذه الغاية، يظلون غالبا أسرى النظرة التقليدية للإنسان والآثار. فتصبح أعماق التاريخ مطموسة كأنها عكست على شاشة ذات بعدين، ويعتري الحدث الأدبي تشوبه كالذي يحصل لصورة العالم المعكوسة في خريطة مسطحة. وكما نجد على الكرة الأرضية التي يرسمها الطلاب بشكل خاطئ ألاسكا واسعة الأرجاء إلى جانب مكسيك في غاية الصغر، كذلك فإن اثنتي عشرة أوخمس عشرة سنة من تاريخ قصر فرساي تطمس ستين سنة من الحياة الأدبية الفرنسية في القرن السابع عشر.