الآية 75: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} : أي مِثل مَن تقدمه مِن الرسل، {وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ} : يعني قد صَدَّقت تصديقًا جازمًا علمًا وعملا، وهما كغيرهما من البشر، فقد {كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} : يعني كانا يحتاجان إلى الطعام، ولا يكونُ إلهًا مَن يحتاج الى الطعام ليعيش، {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ} : يعني فتأمَّل أيها الرسول حالهم، فقد أوضحنا لهم العلاماتِ الدالةَ على وحدانيتنا، وبُطلان ما يَدَّعونه في أنبياء الله، وهم مع ذلك يَضِلُّون عن الحق الذي نَهديهم إليه، {ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} : يعني ثم انظر كيف يُصرَفون عن الحق بعد أن ظهر واضحًا!
الآية 76: {قُلْ} لهم أيها الرسول: {أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} : يعني كيف تشركون مع الله مَن لا يَقْدِرُ على ضَرِّكم، ولا على جَلْبِ نفعٍ لكم؟ فلا هم يسمعون دعاء مَن يدعوهم، ولا يعلمون عن حاله شيئًا، {وَاللَّهُ} وحده {هُوَ السَّمِيعُ} لأقوال عباده ولدعائهم إياه {الْعَلِيمُ} بسائر أحوالهم وأعمالهم، مُجيب المُضطر إذا دعاه، فهو سبحانه المعبود بحق، وما سواه باطل.
الآية 77، والآية 78، والآية 79: {قُلْ} أيها الرسول للنصارى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ} : يعني لا تتجاوزوا الحقَّ فيما تعتقدونه من أمر المسيح عليه السلام، {وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ} : يعني ولا تتبعوا أهواءكم، كما اتَّبع اليهود أهواءهم في أمر الدين، فوقعوا في الضلال، {وَأَضَلُّوا كَثِيرًا} من الناس، {وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} : أي وخرجوا عن طريق الاستقامة إلى طريق الضلال.
•ثم يُخبر تعالى أنه طرد من رحمته الكافرين من بني إسرائيل، وهذا مذكورٌ في الكتاب الذي أنزله على داوود عليه السلام (وهو الزَّبور) ، وفي الكتاب الذي أنزله على عيسى عليه السلام (وهو الإنجيل) ، فقال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} : أي وذلك اللعن كان بسبب عصيانهم واعتدائهم على حرمات الله، فقد {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} : يعني كانوا يُجاهرون بالمعاصي ويرضونها، ولا يَنْهى بعضُهم بعضًا عن أيِّ مُنكَرٍ فعلوه، {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} ، لأنهم قد استحقوا بذلك الفعل أن يُطْرَدُوا من رحمة الله تعالى، (وفي هذا تحذيرٌ لكل مَن يفعل مِثل فِعلهم حتى لا يَلقى مصيرهم) .
الآية 80، والآية 81: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ} أي مِن هؤلاء اليهود {يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} : يعني يتخذون المشركين نصراء لهم، {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ} : يعني ساء ما عملوه مِن مُناصرة المشركين، لأنّ مناصرتهم لهم كانت سببًا في {أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} ، وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ