? وقوله تعالى: {عَنْ يَدٍ} : أي يُقدمونها بأيديهم، لا يُنِيبون فيها غيرهم {وَهُمْ صَاغِرُونَ} : أي وهم خاضعون لِحُكم الإسلام، (وقد قال بعض المفسرين في قوله تعالى:(عَنْ يَدٍ) أي يكون قادرًا على دفع الجزية (لِغِناهُ وعدم فقره) ، لأنّ الفقير منهم لا يُطالَب بالجِزْيَة، واللهُ أعلم).
الآية 30: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ} - واعلم أنّ عُزَيْر: هو الذي أماته اللهُ مائة عامٍ ثم بَعَثه -، {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} (فقد أشْرَكَ مَن قال هذا القول منهم، لأنهم اتخذوا إلهًا يَعبدونه مع الله) ، وقد كَذَبوا على اللهِ تعالى فيما نسبوه إليه، لأنّ {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ} : يعني لأنّ هذا القول قد اختلقوه مِن عند أنفسهم وما أنزل اللهُ به مِن دليل، وهم بذلك {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ} : أي يُشابهون قول المشركين مِن قبلهم، وهم العرب الذين قالوا: (الملائكة بنات الله) ، تعالى اللهُ عن ذلك عُلُوًَّا كبيرًا، و {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} : أي لَعَنَ اللهُ المشركين جميعًا، كيف يَنصرفون عن الحق إلى الباطل، رغم وضوح الحق وقوَّة أدِلَّته؟!
? واعلم أنّ قوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ} ، المقصود به: بعض اليهود الذين قالوا هذا القول وليس كل اليهود، وهذا كقوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} ) فهو لفظ عام، والمقصود به بعض الناس).
الآية 31: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا} أي اتخذ اليهودُ والنصارَى علماءَهم وعُبَّادَهم آلهةً {مِنْ دُونِ اللَّهِ} يُشَرِّعون لهم الأحكام، فيَلتزمون بها ويتركون شرائع اللهِ تعالى، {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} : أي واتخذ النصارَى المسيح عيسى ابن مريم إلهًا فعَبَدوه، {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} : أي وقد أمَرَهم اللهُ بعبادته وحده دونَ غيره، فهو الإله الحق الذي {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} أي الذي لا يَستحق العبادة إلا هو {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} : أي تَنَزَّه وتَقدَّسَ عَمَّا يَفتريه أهل الشِرك والضَلال.
الآية 32: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} : أي يريد هؤلاء الكفار - بتكذيبهم - أن يُبطِلوا دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} : يعني ولن يَقبلَ اللهُ تعالى إلا أن يُتِمَّ دينه ويُعلِيَ كلمته {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} .
الآية 33: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ} محمدًا صلى الله عليه وسلم {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} : أي بالقرآن ودين الإسلام {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} : أي لِيُعلِيَهُ على الأديان كلها {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .
? وقد حَقَّقَ سبحانه وعده، فالإسلامُ ظاهرٌ في الأرض كلها، سَمِعَ به أهل الشرق والغرب، واعتنقه كثيرٌ منهم، وخَضَعَ له العالم أجْمَع على عهد الصحابة والتابعين، وسيأتي اليوم الذي يَسُودُ فيه الإسلامُ أهلَ الدنيا جميعًا.