الصفحة 14 من 34

أطراف بلاد الشام، وفي وقت الحر: تخاذلوا وتخلفوا،) واعلم أنّ الشُقَّة هي الطريق الطويل الذي لا يُقطَع إلا بمَشقةٍ وعَناء)، {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ} : يعني وسيعتذرون لك بسبب تَخلُّفهم عن الخروج، حالفينَ باللهِ بأنهم لم يستطيعوا ذلك، {يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ} (حيثُ يَجلِبون لها غضبَ اللهِ وعقابه بسبب نفاقهم وحَلفهم كذبًا أثناء الاعتذار) ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في كل ما يُظهرونه لك من أعذار.

? ثم عاتَبَ اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم عندما أَذِنَ لهؤلاء المنافقين بالتخلف عن الجهاد، فقال له: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} فلم يُؤاخذك بما وقع منك عندما أَذِنتَ للمنافقين في القعود عن الجهاد، {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} : يعني لأيِّ سببٍ أَذِنْتَ لهؤلاء بالتخلف عن الغزوة؟، هل أذِنْتَ لهم {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} : أي حتى يَظهر لك الذين صدقوا في اعتذارهم وتعلم الكاذبين منهم في ذلك؟ لقد كان الأوْلَى والأكمل: عدم الإذن لأحد، لأنّ هؤلاء قومٌ منافقون، وكانوا عازمين على عدم الخروج (ولو لم تأذَن لهم بالتخلف) ، فإذا لم تأذن لهم وقعدوا: لَظَهَرَ للناس حقيقتهم.

? واعلم أنَّ الله تعالى قد أخبر نَبِيَّهُ بأنه قد عفا عنه قبل أن يُعاتبه: رحمةً به وإكرامًا له، إذ لو قال له أوّلًا (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) ، لَطارَ قلبُهُ صلى الله عليه وسلم من الخوف والحُزن.

? وهذا من آداب النصيحة: (أن تبدأ باللُّطف مع المنصوح حتى يَستجيبَ لك) ، فعلى سبيل المثال: (كانَ يُصَلِّي بجواري رجلٌ قد نَسِيَ أن يُغلِق هاتفه(المحمول) قبل الصلاة، فاتَّصَل عليه أحد الناس، وارتفع صوت الهاتف في المسجد، فأَغلق الرجل على المُتَّصِل، ثم أعاد الآخر الاتصال عليه، وظلاَّ هكذا إلى انتهاء صلاة الجماعة، فقام كثير من الناس يَنهَرون الرجل وهو يعتذر لهم، فانتظرتُ قليلًا حتى هدأ الناس، ثم قلتُ له: (أنا متأكد أنك قد نَسِيتَ أن تُغلِقه قبل الصلاة وأنك لم تتعمد ذلك) ، فقال لي: (نعم واللهِ لقد نَسِيت) ، فقلتُ له: (ولكنْ كان من الأفضل أن تُغلِقَ الهاتف غَلقًا نهائيًا عند أول اتصال جاءَ لك) ، فقال لي: (أليس هذا الفِعل يُبطِل الصلاة، لأنني سأقوم بحركاتٍ كثيرة؟) ، فقلتُ له: (أليس ما فعلتَهُ أنت - مِن حركات - لِتُغلق عليه في كل مرة أكثر مِمَّا لو أغلقتَهُ غَلقًا نهائيًا من أول مرة؟) ، فاستجاب الرجل وتَعَلَّم بسبب اللُّطف معه في بداية النصيحة.

الآية 44: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ} : يعني ليس مِن شأن المؤمنين أن يستأذنوك أيها الرسول في {أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} طالما أنك لم تأمرهم بذلك، فهم لا يستأذنونك في الخروج ولا في القعود، وإنما هم مع ما يريده الله ورسوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت