في دين اللهِ أفواجًا {وَهُمْ كَارِهُونَ} لذلك كله، إذًا فلا تحزنوا على عدم خروجهم معكم، فإنّ الله - رحمةً بكم ونصرًا لكم - صَرَفهم عن الخروج معكم.
? وفي هذا دليلٌ على أن تدبير اللهِ تعالى لأوليائه هو خيرُ تدبير، فلِذا وَجَبَ الرضا بقضاءه والتسليم به، حتى وإن لم يُوافق ما تريده النفس، لأنّ النفس لا تعلمُ أين الخير والأصلح لها.
الآية 49: {وَمِنْهُمْ} أي: ومِن هؤلاء المنافقين {مَنْ يَقُولُ} لك: {ائْذَنْ لِي} في القعود عن الجهاد {وَلَا تَفْتِنِّي} : أي لا تجعلني أُفتَن بنساء جنود الروم (إذا خرجتُ معك) ، {أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا} : أي لقد سقط هؤلاء المنافقون في فتنة النفاق الكُبرى، {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} إذ تَضِيقُ عليهم ضِيقًا شديدًا، ويُغَطِّيهم عذابها من فوق رؤوسهم ومِن تحت أرجلهم، قال تعالى: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا) (أي: دعوا على أنفسهم بالهلاك) ، وقال تعالى: (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (أَعَاذَنا اللهُ وإخواننا المؤمنينَ من جهنم) .
الآية 50، والآية 51: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} : يعني إنْ يُصِبْك - أيها الرسول - سرورٌ أو غنيمة: يَحزن المنافقون، {وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} : يعني وإن يُصِبْكَ مَكروه أو هزيمة: {يَقُولُوا} : {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} أي نحن أصحابُ رَأْيِ وتدبير، فقد احتطنا لأنفسنا بتخَلُّفِنا عن محمد، حتى لا يُصيبنا ذلك المكروه الذي أصابه، {وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} : أي وينصرفوا وهم مسرورون بتخلفهم وبما أصابك من السوء، {قُلْ} لهم: {لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} (وما يَكتبه لنا ربنا لن يكونَ إلا خيرًا) ، إذ {هُوَ مَوْلَانَا} أي ناصِرُنا ومُتوَلِّي أمْرَنا {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} .
? واعلم أنّ مِن صفات المنافقين: أن يَحزنوا بمَا يُفرح المسلمين، وأن يَفرحوا بما يُحزِن المسلمين، (ومِن ذلك فَرَحهم بوقوع العداوة والخصومة بين المسلمين) ، فإذا وَجَدَ أحدٌ ذلك في قلبه: فليستعذ باللهِ تعالى ولْيُطَهِّر قلبه من هذه الصفة.
الآية 52: {قُلْ} - أيها الرسول - لهؤلاء المنافقين: {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} : يعني هل تنتظرون بنا إلا النصر على أهل الشِرك والنفاق أو الاستشهاد في سبيل الله، ثم النعيم المقيم في جوار رب العالمين، {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ} : أي ونحن ننتظر بكم أن يُصيبكم اللهُ بعقوبةٍ عاجلةٍ مِن عنده تُهْلِكُكم، {أَوْ} يُعَذبكم {بِأَيْدِينَا} فنقتلكم، {فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} : أي فانتظروا إنا معكم منتظرون، ولن نُشاهد إلا ما يَسُرُّنا ويُحزِنكم.