فهرس الكتاب
وقد استمر هذا النسق المتناظر مسيطرًا على مباني مدينة بغداد إلى حوالي سنة 1955 م. وفي سنة 1949 م ظهرت مجموعتي (شظايا ورماد) وفيها الدعوة الأولى إلى الشعر الحر.
وإذ أنظر الآن إلى الماضي أحس أنني إنما ثرت على طريقة الشطرين الخليلية نفورًا من المنزل المتناظر، والحق أنني كنت أشعر ضيقًا شديدًا بنظام البيوت في بغداد، وكنت كلما رأيت مسكنًا متناظرًا شعرت بنفسي تضيق وتظلم، ولم يخطر على بالي أنني دعوت تلك الدعوة الحارة إلى إقامة الشعر على أشطر غير متساوية تفعيلاتها غير متناسقة في العدد لأنني أدعو أيضًا إلى تغيير نظام المباني، وأنني أنفر من التناظر وأتعطش إلى هدمه والثورة عليه.
وعندما استجاب كثير من شعراء العصر إلى دعوة الشعر الحر، بدأ طراز المباني يتغير، وماذا نجد اليوم؟ لقد أصبح المهندس حين يبني بيتًا أو عمارة، يتعمد ألا يجعلها متناظرة، فما يكاد يلاحظ أقل ميل إلى هذا التناظر حتى يُنزل بالنزل فوضى من نوع ما، تخلخله ولو على شكل رسوم وخطوط وألوان لا نموذج فيها ولا مقياس لها، وإنما هي نثر بلا تخطيط) [1]
إنني لم أدرك لغز نظرية الشعر الحر، حتى عثرت بهذا الكتاب لنازك، حينئذ تسلمت مفتاح اللغز .. وحُل الطلسم.
لقد قدمنا رأي نازك في نطفة الشعور التي تلقحت مع الفوضى التي أشارت إليها الكاتبة. فإذا حللنا هذا الجنين، نكون قد ناقشنا جوهر الشعر الحر.
ولذلك أقول: نحن والتناظر، ما رأينا فيه؟ هل التناظر قبح والفوضى جمال؟ أم العكس؟ نبدأ من الإنسان، ننظر إلى بنيته التي خلقه الله سبحانه وتعالى عليها بهذا الشكل، ونحاول أن نتخيل معًا أننا مررنا خطًا وهميًا من رأسه نزولًا، فماذا نجد؟ نجد أننا حصلنا على شطرين متساويين متناظرين منطبقين على بعضهما تمام الانطباق؛ اليد اليمنى تقابل اليد اليسرى، العين اليمنى تقابل العين اليسرى، نسأل الكاتبة: هل في هذا التناظر قبح كما تزعمين؟ أنت تنفرين من مبدأ التناظر في البيوت وفي الشعر وفي الحياة.
ونحن نرى أن التناظر سمة الخلق، الإنسان متناظر
(1) قضايا الشعر المعاصر نازك الملائكة ط 7 صـ 61.