الصفحة 31 من 52

وقد سبق أن بينا إجماع الصحابة بالرجوع إلى السنة في كل واقعة, مما يؤكد أن الأصل بالسنة هو الاتباع لها لا الاستثناء, وأنها تشريع دائم لا وقتي, فمن المغالطة الواضحة استثناء الشئون الدستورية أو السنة الواردة في الجزئيات والتنظيمات من الاتباع أو جعلها لعصر دون آخر دون دليل على ذلك.

ونظير هذه الشبهة ما يزعمه البعض من:

أن الأحكام الشرعية ليست في درجة واحدة من حيث ثبوتها وبالتالي من حيث جواز الاختلاف فيها أو تغييرها فتوجد الأحكام الظنية التي هي مجال الاجتهاد سواء كانت أحكاما فيما لا نص فيه أو فيما فيه نص ظني الثبوت أو ظني الدلالة أو كليهما .. بخلاف أحكام العقائد التي لا يعول فيها إلى على اليقين ... وتغيير الأحكام الفرعية العملية والظنية لا ضرر فيه ولا خطر منه .. والحاكم يكون له شرعا القدرة على التصرف في الأحكام الظنية وربطها بمصالح الناس وتمشيا مع حاجاتهم فيكون له أن يغير بعض الأحكام بناء على أدلة وأمارات كي تجيء مسايرة لمصالح الناس ومتفقة مع أمانيهم .. وبذلك يستطيع الحاكم بما له من وصف الإمرة والسلطان أن ينقل كل حكم من الأحكام المشار إليها إلى مقابله فينقل الحكم من تحريم إلى الوجوب مثل أكل الميتة للمضطر, وينقل الحكم من التحريم إلى المندوب, مثل قصر الصلاة للمسافر ... [1] .

والحقيقة هي أن التفريق بين الأحكام الظنية الواردة بخبر الواحد أو الظنية الدلالة والأحكام اليقينية القطعية من حيث جواز التغيير في الأحكام الظنية من قبل الحاكم لا دليل عليه لا من كتاب ولا من سنة ولا من إجماع بل إن عامة أحكام الشريعة هي أحكام ظنية. وثبت عن صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم اتباعه عليه السلام بناء على الخبر الظني من أخبار الآحاد والعمل بالظني الراجح في الأحكام الشرعية وتبعتهم في ذلك الأمة جيلا بعد جيل, ولو جاز ترك العمل بالظني الراجح وتغييره من قبل الحكام لأدى ذلك إلى هدم الدين كله.

قال الإمام الشافعي رحمه الله:

أجمع المسلمون قديمًا وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته [2] .

ويقول شيخ الإسلام بن تيمية أن الأحاديث الصحيحة: منقسمة إلى ما دلالته قطعية بأن يكون قطعي السند والمتن .. وإلى ما دلالته ظاهرة غير قطعية فأما الأول فيجب اعتقاد وجوبه علما وعملا وهذا مما لا

(1) محمد عبدالوهاب أبو زيد, سلطة الحاكم في تغيير التشريع شرعا وقانونا, القاهرة, دار النهضة العربية, 1984, ص 102 - 105.

(2) الشافعي, الرسالة, مرجع سابق, ص 457.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت