الكفر برفض ألوهية الله ممثلًا هذا في رفض شريعته. والظلم بحمل الناس على غير شريعة الله وإشاعة الفساد في حياتهم. والفسق بالخروج عن منهج الله واتباع غير طريقه ... فهي صفة يتضمنها الفعل الأول, وتنطبق جميعها على الفاعل. ويبوء بها جميعًا دون تفريق [1] .
ويؤكد هذا المعنى ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في وصف من يحكم بغير ما أنزل الله:
فإن الحاكم إذا كان دينًا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار. وإن كان عالمًا لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار, وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار, وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص. وأما إذا حكم حكمًا عامًا في دين المسلمين فجعل الحق باطلًا والباطل حقًا, والسنة بدعة والبدعة سنة, والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا, ونهى عما أمر الله به ورسوله, وأمر بما نهى الله عنه ورسوله. فهذا لون آخر. يحكم فيه رب العالمين, وإله المرسلين, مالك يوم الدين [2] .
يتضح مما سبق عرضه من أدلة شرعية قطعية أنه لا سيادة إلا للشرع, وأن الشريعة الإسلامية حصرت السيادة في عقيدتها وأحكامها الشرعية وحرمت على الحاكم والمحكوم الخروج عليهما أو سيادة غير الشرع من أنظمة أو مذاهب أو أفراد.
ولكن لما كانت ممارسة السلطة السياسية ومباشرة تطبيق الأحكام أمرًا منوطًا بالبشر, فقد جاءت الشريعة الإسلامية بأحكام تحدد المسئوليات وتعين الواجبات الملقاة على عاتق الأمة والحكام. فالأمة في المنظور الإسلامي هي صاحبة السلطان أي المسئولة عن الحكم بما أنزل الله وإقامة شرعه, ويدل على ذلك الآيات والأحاديث التي جاء بها الخطاب موجهًا للأمة بوصفها مسئولة عن إقامة الشرع, قال تعالى {مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [3] .
وقال تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [4] . أيضًا جاءت الأدلة الشرعية من كتاب وسنة تطلب من المؤمنين بوصفهم جماعة إقامة أحكام الشرع وتخاطبهم بلفظ الجماعة الصريح في ذلك سواء في أحكام الجنايات, أو الحدود, أو الأحوال الشخصية أو العلاقات الدولية أو غير ذلك. ففي الحدود يقول عز وجل وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا
(1) القطان والزين, مرجع سابق, ص 46.
(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية, جمع وترتيب عبدالرحمن بن قاسم وابنه محمد, جزء 35, بيروت, مطابع دار العربية, 1398 هـ, ص 388.
(3) سورة آل عمران, آية 104.
(4) سورة آل عمران, آية 110.