وقد قام عليه السلام بتوزيع الفيء وفق ما يراه محققا لمصلحة المسلمين. وقام خلفاؤه من بعده بذلك حيث وضع أبو بكر رضي الله عنه سياسة المساواة في العطاء بين المسلمين, بينما وزع عمر رضي الله عنه العطاء متفاوتا بحسب الأقدمية في الإسلام والهجرة وشرف القرابة والانتماء إلى بيت الرسول [1] .
ووجود أموال ومرافق الملكية العامة يقتضي بالضرورة تنظيم الانتفاع والاستفادة منها على أن لا يترتب على ذلك أن يختص بها أحد دون أحد أو أن يمنع منها المسلمون. ولما كان الإمام مسئولا بحكم ولايته عن رعاية الشئون والدولة منوطا بها القيام بمهام مصالح المسلمين, فإن ذلك يتطلب وضع التنظيمات التي تسمح بالاستفادة والانتفاع من مصادر الملكية العامة ومن مرافق ومنافع الدولة العامة. ومن هنا يجوز للدولة التدخل لوضع الضوابط لضمان انتفاع كافة المسلمين بالمرافق وللتأكد من عدم استئثار البعض منهم بالمنافع دون البعض الآخر. ومن هنا يجوز للإمام وضع قواعد مرورية مثلا لتنظيم السير في الطرقات أو نظم سير ملاحية لتنظيم استخدام المضائق البحرية والجوية وأن يلزم بها لكون الطرقات والمضائق من المرافق العامة. كما أن للإمام توزيع الأموال العامة بما يضمن العدالة وعدم اختصاص الأغنياء بها وأن يضع قواعد ملزمة في ذلك. كما أن له أن يتبنى أساليب ووسائل تنظيم المنافع العامة من غابات ومراعي وأحراش وبحار ومناجم وأن يمنع مخالفتها بهدف تحقيق شركة المسلمين فيها ومنع الاستئثار والاختصاص بها لبعض الرعية.
وقد ثبت بالسنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم شرع تنظيم المرافق العامة للمسلمين روى أبو داود عن عمرو بن شعيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قضى في السيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل» [2] وقضي عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يجري ماء جاره في أرضه وقال لتمرن به ولو على بطنك [3] , وكذلك استرجاع الرسول عليه السلام لمنجم الملح من أبيض بن حمال وجعله شركة للمسلمين, وقد ثبت تنظيم الرسول صلى الله عليه وسلم للطرق حيث روى عن صلى الله عليه وسلم قوله «اجعلوا الطريق سبعة أزرع» [4] إلى غير ذلك من أدلة.
وقد أكد ابن تيمية عندما سئل عن رجل أعطاه ولي الأمر إقطاعا من الملكية العامة بأن للسلطان الحق أن يأخذ من أهل الإقطاعات الكثيرة ما زاد عن استحقاقاتهم, وأن ذلك لا يعد ظلما [5] .
(1) الكاندهلوي, حياة الصحابة, مرجع سابق, الجزء 2, ص 215.
(2) محمد ناصر الدين الألباني, صحيح سنن أبي داود, جزء 2, الرياض, مكتب التربية العربي لدول الخليج, 1409 هـ - 1989, حديث رقم 3094, ص 693.
(3) ابن رجب الحنبلي, مرجع سابق, جامع العلوم والحكم, ص 292.
(4) الألباني, صحيح سنن ابن ماجة, جزء 2, مرجع سابق, حديث 1893, ص 39.
(5) فتاوى ابن تيمية, مرجع سابق, جزء 28, ص 591.