وفلان بدع في هذا الأمر أي أول لم يسبقه أحد قال الأحوص:
فخرت فانتمت فقلت انظريني ... ليس جهل أتيته ببديع
ج
قال: والبديع: المحدث العجيب، والبديع المبدع، وأبدعت الشيء لا على مثال سابق، والبديع من أسماء الله تعالى.
وهكذا يستقصي صاحب اللسان معاني هذه اللفظة إلى أن يقول: أبدع الشاعر جاء بالبديع [1] أما الإبداع بمعنى الخلق والإيجاد من العدم فهذا مما اختص الله به دون المخلوقين. وأما الإبداع بمعنى الجديد المحدث. فهذا ما نقف عليه عند طائفة من شعرائنا الإسلاميين موضوع هذه الدراسة. لنرى هل جاءوا بالبديع المعجب فاستحوذ شعرهم على الإبداع وما مدى تحقق تلك الخصوصية في شعرهم؟؟
وقبل أن نطل على مفهوم الإبداع عند النقاد وفي أثار الشعراء فإنه يمكننا أن نفيد الفكرة التالية من خلال ما ساقه صاحب اللسان عن معاني هذه المادة فنقول:
ورد من معاني الإبداع - في اللسان لـ (ابن منظور) : الجديد المحدث فهل كل جديد محدث في الشعر يعد إبداعًا؟ الجواب: كل جديد محدث في الشعر وغيره من أجناس التعبير الأدبي يعد إبداعًا بالمفهوم اللغوي، أما المفهوم الأدبي فإنه لابد من تحقق الإمتاع مع الإبداع، والقدرة على المحافظة على قوانين الشعر الأصيل الذي لا يتنكب فيه الشاعر أصول وقواعد العربية الفصحى، وإلا عدَّ شعره من قبيل الهذر والكلام الساقط وإن كان جديدًا في إطاره ومضمونه بدعًا حدثًا في فكرته والغرض منه كشعر الحداثة إن جاز أن نسميه شعرًا - وكذلك كل قول شعرًا أو نثرًا يعدل فيه قائله عن الفضيلة إلى الرذيلة.
أما عن معنى الإبداع ومفهومه في آثار البلاغيين والأدباء والنقاد قديمًا وحديثًا فحسبنا في هذا المقام الرجوع إلى مصدر فياض من مصادر الأدب الإسلامي الأصيل الذي جاءت كلماته ومعانيه وفق خط مرسوم ونمط موسوم على غير مثال سابق ورسم فرط. ذلك هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي شهد له القرآن الكريم كلام الخالق - جل وعلا - لا كلام المخلوق فزكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلامه.
فقال: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } "النجم 3، 4".
وزكاه في رجاحة عقله فقال: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} "النجم 11".
(1) لسان العرب ابن منظور - مادة بدع - ص 6 جـ 8 دار صادر.