وقد أطبق علماء البلاغة العربية وعلماء النقد على أن البلاغة ذلك الفن الجمالي تشريع للأدب والنقد تحكيم له. وهذا يؤكد علينا أن نأخذ بالإيجاز - في بسط مدلول كلمة"الإبداع"فقد قيل: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق.
وما دام الأمر كذلك فإن إطلالة على معنى الإبداع واستحياءه من مظانه في مصادر اللغة والأدب والبلاغة والنقد ... سيقفنا على تصور وفهم تام لما مرت به هذه الكلمة من مراحل في الاستعمال اللغوي والأدبي حتى عدها النقاد من أجود المقاييس في نقد الأعمال الأدبية من جيد المنظوم والمنثور من كلام العرب قديمًا وحديثًا.
وفي هذا الفهم وهذا التصور لمدلول كلمة"إبداع"ما يمكن أن يفيد منه الأديب شاعرًا أو ناثرًا في تطويع الكلمة المفردة، والجملة المركبة، من أجل رسم الصورة الأدبية الحية وفق حد مرسوم، ونمط مرسوم بتأثير العبارة الجميلة، حتى يأمن مزالق الكلام الذي يودي بفنه فيورده موارد الدون ومراتب التقصير.
وبخاصة أن اللغة العربية في استعمال مفرداتها، ونظم جملها وتراكيبها لغة يجد فيها المتحدث، والكاتب، والشاعر مراتب متباينة الاستعمال على الرغم من أن الكلمة المفردة في هذه اللغة واحدة لا تتغير في ذاتها وإنما يلحقها التغيير جودة ورداءة من خلال طريقة تأولها وعرضها وهذه السمة من عوامل الإبداع في لغتنا الشاعرة.
وهذه الخصائص يلحقها النقاد فيما تعارفوا عليه بالشكل أو الإطار وإذًا فالقضية أشق في تلمس الإبداع وتوافره في العمل الأدبي من حيث مضامينه، وتلك قضية تسلمنا إلى الحديث عن اللفظ والمعنى ...
تلك القضية التي شغلت أذهان النقاد قديمًا وحديثًا من لدن الجاحظ إلى عبدالقاهر الجرجاني، إلى أحمد أمين والعقاد وغيرهما من المعاصرين وليس كلامنا على هذه القضية واردًا في هذا المقام.
فلنقتضب الكلام اقتضابًا لبيان معنى الإبداع في اللغة.
قال صاحب اللسان:"بدع الشيء يبدعه بدعًا وابتدعه أنشأه وبدأه، ومنه بدع الركية استنبطها وأحدثها. وركي بديع أي حديثة الحفرو البديع والبدع الشيء الذي يكون أولا - وفي التنزيل:"قل ما كنت بدعًا من الرسل"أي ما كنت أول من أرسل فقبلي أرسل رسل كثيرون."
قال: والبدعة الحدث، والبدعة كل محدث.