الصفحة 100 من 145

فَرْضِ إدناء الجلابيب، ولذلك اتَّفقت كلمة المفسِّرين قاطبةً على أنَّ آيةَ إدناء الجلابيب صريحةٌ في تغطية الوجه تغطية ثابتة.

أخرج البخاري [1] من حديث الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: Mيرحم الله نساء المهاجراتِ الأُوَل؛ لما أنزل الله: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شقَقْنَ مروطهنَّ فاختمرنَ به L.

وهذا حديث له دِلالةٌ جليلةٌ في معنى الآية؛ فإنَّ عائشة اختصَّت بالذكر"المهاجراتِ الأُوَل"، وغالبهنَّ من قريش وقد ثبت أنَّ من عادتهنَّ ستر الوجوه فضلًا عن لبس الخُمُر، فلا يمكن بحالٍ أن يكون المعنى إنَّ المهاجرات الأُوَل كُنَّ لا يلبسن خُمُرًا ثم لما نزلت الآية شققنَ لهنَّ خُمُرًا.

بل ولا يمكن أنْ يُظَنَّ بالمهاجراتِ الأُوَل أنهنَّ كُنَّ يبدين نحورهنَّ ليقال إنَّ عائشة تعني أنهنَّ غَطَّين جيوبهنَّ بخمرهنَّ فهذا لا يقوله من يعرف شيمَ قريشٍ وأخلاقها فضلًا عن خيرِ نسائها المهاجرات الأُوَل.

والآية خطاب للمؤمنات عامة لا للمهاجرات خاصة، وكلُّهنَّ امتثلن فضربن بخمرهنَّ على جيوبهنَّ فلِمَ اختصَّت عائشة المهاجرات الأُوَل بهذا؟

فهذا يدلُّ على أنَّ المهاجراتِ الأُوَل فعلنَ من الامتثال أمرًا زائدًا فترحَّمتْ عليهنَّ عائشة تنويها بصدقهنَّ ورغبتهنَّ العظيمة في طاعة الله ورسوله.

ذلك أنَّ الآية أمرت بالضرب بالخمر على الجيوب ففعلته مَنْ لم يكن من عادتها ذلك فحصل لها الامتثال، ولكن مَنْ كانت تفعله من قبل نزول الآية كنساء قريش ماذا بقي لها من الامتثال؟

هذا ما ذكرته عائشة رضي الله عنها؛ فإنها قالت: Mشقَقْنَ مروطهنَّ فاختمرنَ به L فهل المروط منسوجةٌ لتكونَ خُمُرًا؟

قال أبو منصور الأزهري [2] : (( أبو عبيد: عن أبي زيد: يقال: المروط أكسيةٌ من

(1) صحيح البخاري (رقم 4480) .

(2) تهذيب اللغة (3/ 345) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت