الصفحة 102 من 145

فبيَّن أنَّ الجلبابَ لا يكون للرأس وحده بل يكون من فوق خمار الرأس ومن فوق ثياب سائر الجسد، وأول ذلك ثياب أعلى الجسد.

وقال أبو منصور الأزهري [1] : (( قال أبو العباس: قال ابن الأعرابي: الجلبابُ الإزار، قال أبو عبيد: قلت: ومعنى قول ابن الأعرابي(الجلباب الإزار) لم يُرِدْ به إزارَ الحَقْو ولكن أراد به الإزارَ الذي يُشْتَمَلُ به فَيُجَلَّلُ به جميعُ الجسد )).

فتَحَصَّل من كلامهم أنَّ الجلبابَ لباسٌ من فوق الثياب، لا بُدَّ أن يعلوَ الرأسَ فيُغَطِّيه ويُغَطِّي معه ثيابَ أعلى الجسد، وقد يكونُ سابغًا فيغطِّي ثيابَ أسفل الجسد، أما ما خَمَّرَ الرأسَ وحده فهو خمارٌ لا جلباب، وأما ما غَطَّى الجسدَ دون الرأس فهو ثوبٌ من الثياب ولا يسَمَّى جلبابًا.

فالثوب الذي يُسَمَّى اليوم"عباءة الكتف"هو ثوبٌ من الثياب لا جلباب لأنه لم يَعْلُ الرأس، وإنما الجلباب العباءة التي تكون من فوق الرأس، فمن لَبست عباءة الكتف فقد لبست ثوبًا أسود فوقَ ثيابها، فإنْ كانت مختمرةً فقد لبست ثوبًا وخمارًا ولم تلبس جلبابًا.

ويدلُّ على أنَّ الثوب إذا لم يَعْلُ الرأسَ لم يُسَمَّ جلبابًا ما أخرج ابن أبي شيبة [2] بإسنادٍ على رسم مسلم عن المختار بن فلفل عن أنس - رضي الله عنه - قال: Mدخلتْ على عمر بن الخطاب أمةٌ قد كان يعرفها لبعض المهاجرين أو الأنصار وعليها جلبابٌ مُتَقَنِّعةٌ به، فسألها عتقت؟ قالت: لا، قال: فما بال الجلباب؟ ضعيه [عن] رأسك، إنما الجلباب على الحرائر من نساء المؤمنين، فتلكَّت فقام إليها بالدِّرة فضرب بها برأسها حتى ألقته عن رأسها L.

فجعلَ عمر - رضي الله عنه - وضعَ الجلباب عن الرأس، كما هي عباءة الكتف؛ خروجًا عن المعنى المختصِّ بالحرائر، ولم يأمرها أن تنزع الجلباب ولا أنْ تكشف الوجه، فدلَّ أنَّ عباءة الكتف هي لباس الإماء في عهد الخلافة الراشدة.

(1) تهذيب اللغة (11/ 65) .

(2) المصنف لابن أبي شيبة (2/ 135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت