الصفحة 111 من 145

وآية الحجاب هي قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} [الأحزاب:53] .

فخصَّ عمر - رضي الله عنه - نساء النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بما طلب، فدلَّ على أنَّ سائر النساء محجوباتٌ لأنهنَّ لم يكُنَّ يشاركنَ أمهات المؤمنين في العلة المبيحة دخول الرجال عليهنَّ أولَ الأمر، وإلا فإنَّ عند عمر من الغيرة على ما شهد به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فكان ذلك يحمله أن يسأله للنساء عامة لا لأزواجه - صلى الله عليه وسلم - خاصة.

قال الإمام البيهقيُّ رحمه الله [1] : (( قال الشافعي رحمه الله تعالى: وقد يجوز أن يكون أَمْرُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَّ سلمة إن كان أمرها بالحجاب من مكاتَبها إذا كان عنده ما يؤدِّي على ما عظَّم الله به أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُمَّهات المؤمنين رحمهن الله وخَصَّصهنَّ به وفَرَّق بينهن وبين النساء إن اتقين، ثم تلا الآيات في اختصاصهن؛ بأنْ جَعَلَ عليهنَّ الحجابَ من المؤمنين وهُنَّ أمهاتُ المؤمنين، ولم يجعل على امرأةٍ سواهنَّ أن تحتجب ممن يحرم عليه نكاحها ) ).

فهذا نصٌّ صريحٌ من الإمام الشافعي - رضي الله عنه - على معنى اختصاصهنَّ بالحجاب؛ أنه إدخالُهنَّ في حكمٍ لم يكُنَّ داخلاتٍ في عمومه، وليس استثناءهنَّ بحكمٍ ليس لغيرهنَّ كما ظنَّ بعض أهل العلم.

ويدلُّ على صحة ما قال الشافعي رحمه الله أنَّ الأمة مُجْمِعةٌ على أنه لا يحرم دخول رجلٍ على امرأةٍ تحرُم عليه تحريمًا أبديًا بسببٍ مباح بعد أزواج النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فهو حكم نزلَ لهنَّ خاصةً وانتهى بموتهنّ.

قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53] .

فعلَّل الحكم بأنه أطهرُ للقلوب، فالاحتجاب من غير المحرَّمات تطهيرٌ واجبٌ على عموم المؤمنين، وتخصيصُ أمهات المؤمنين بالاحتجاب من سائر المؤمنين أطهر، أي هو طلب الغاية العليا من تطهير قلوبهم وقلوبهنّ.

(1) سنن البيهقي (10/ 327) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت