فهرس الكتاب
ولذلك فقد أخذ أهل العلم من قوله تعالى {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ} دخولَ حجب غيرهنَّ في الحكم وفي الغاية كما قال ابن جريرٍ رحمه الله [1] : (( {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} يقول تعالى ذكره: سؤالكم إياهنَّ المتاع إذا سألتموهن ذلك من وراء حجاب أطهر لقلوبكم وقلوبهن من عوارض العين فيها التي تعرض في صدور الرجال من أمر النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحرى من أن لا يكون للشيطان عليكم وعليهن سبيل ) ).
فبيَّن أنه تطهير من عوارض العين التي تعرض في صدور الرجال، ومعلوم أنَّ عروض تلك العوارض في غير المحرَّمات تحريمًا أبديًا مغلَّظًا أحرى وأقربُ.
تحريم الدخول على المغيبة ولو من وراء حجاب:
أخرج مسلم [2] عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - أنَّ نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فكره ذلك أبو بكر - رضي الله عنه - وأخبر النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقال: لم أر إلا خيرًا فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: Mإنَّ الله برَّأها من ذلك L، ثم قام على المنبر فقال: Mلا يدخلنَّ رجلٌ بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان L.
والحديث صريحٌ بتحريم دخول الجماعة الأقرباء الذين لا يُعْلَم عنهم إلا الخير على امرأة مغيبة أي غائبٍ عنها زوجها إلا بحضور رجلٍ أو رجلين من محارمها.
وفي قوله - صلى الله عليه وسلم: Mإنَّ الله برَّأها من ذلك L دليلٌ على أنَّ أسماء رضي الله عنها لم يكن منها تقصير ولا تساهل، فهم إنما دخلوا البيت وكلَّموها على ما يعتاده الأقارب من تكليم النساء من أقاربهم والسلام عليهنَّ بلا مجالسة، ولذلك قال أبو بكر: (لم أرَ إلا خيرًا) ، لكن اتفق دخولهم أنها كانت مُغِيبة ولم يكن حاضرًا أحدٌ من محارمها، ولم يكن سبقَ حكمٌ شرعيٌّ يحرِّم ذلك فبرَّأها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من التساهل وقام خطيبًا فحرَّم ذلك لا اتهامًا لأحد وإنما سدًّا لذريعة التساهل.
(1) تفسير الطبري (10/ 325) .
(2) صحيح مسلم (رقم 2173) .