الصفحة 117 من 145

هذه الأمة من إماء آل عمر، وذكر كما ذكر ابنُ جريج أنه هَمَّ أن يعاقب الأمة لأنه حَسِبها حُرَّة، وقد خرَّج مسلمٌ للوليد بن كثير عن نافعٍ متابعًا.

وروى الزهريُّ وقتادة عن أنس [1] بأسانيد صحاح عن عمر قصةً مختصرة لجارية أخرى من إماء الأنصار فيها نهيه الإماء أن يتشبهن بالحرائر في الجلباب.

وظاهر رواية صفية بنت أبي عبيد المذكورة أنَّ الأمةَ كانت مغطِّيةً وجهها فلم يعرف عمر أنها أمة، ثم هو لم يأمرها بكشف الوجه وإنما نهاها عن الجلباب.

والرواية تدلُّ على أنَّ عمر - رضي الله عنه - إنما نهى عن ذلك مَنْ تجوسُ الرجالَ من الإماء اللاتي يخدمنَ أهلهنَّ فيخرجن لحاجتهم ويَجُسْنَ الرجال فإذا لبسنَ لباس الحرائر فجعلنَ الجلابيب من فوق رؤوسهنَّ وهُنَّ مغطِّيات وجوههنَّ ظنَّ الرجالُ أنهنَّ حرائر، فنهاهنَّ عمر أنْ يتشبَّهنَ بالحرائر في جعل الجلباب من فوق الرأس.

فالقرآنَ فَرَضَ على الحرائر لبسَ الجلابيب وإدناءها ولم يفرضه على الإماء، وعمر - رضي الله عنه - لم ينهَ عنه إلا إماءً كُنَّ يفعلنَ ما يجوز للأمة ولا يجوز للحرة من الجوس بين الرجال فيؤدِّي لبسهنَّ الجلابيب إلى إيهام أنَّ من الحرائر مَنْ تستهينُ بالجوس بين الرجال فيُخِلُّ ذلك بالنظامِ الشرعيِّ الذي يحوطه عمر - رضي الله عنه -.

إجماع الأمة على أنَّ"إدناء الجلابيب"سترٌ للوجوه:

دلالة هذه الآية على فرض ستر جميع البدن على الحرَّة دلالةٌ محكمةٌ غاية الإحكام قد تظاهرت بها الوجوه المتنوعة من الدلالة، وقد حرَّرت هاهنا ستة أوجه، كلُّ وجهٍ منها يستقلُّ بالمقصود على حدته:

* الوجه الأول: أنه هو ما تدلُّ عليه الآية بصريح اللسان العربي المبين.

أي إنَّ معنى الآية لا يحتمل شيئًا خلافَه ولو بوجهٍ ضعيف، وقد بينَّا في الفصل الثاني أنَّ إدناء الجلباب هو إرخاء شيءٍ منه لينسدل على الوجه.

والجلباب لا يكون إلا عاليًا للرأس شاملًا للبدن، فيُخرجُ العباءةَ التي على الكتف لأنها ثوبٌ ليست جلبابًا، فمَنْ اقتصرتْ عليها فخمَّرتْ وجهها بخمارها فقد فعلت ما فرض الله أولَ الأمر في قوله تعالى وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى

(1) المصنف لابن أبي شيبة (2/ 134، 135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت