الصفحة 120 من 145

الجاحظ [1] : (( كان من عادة فرسان العرب في المواسم والجموع، وفي أسواق العرب كأيام عكاظ وذي المجاز وما أشبه ذلك التَقَنُّع .. ، وكانوا يَكْرهون أن يُعْرَفوا فلا يكون لفرسان عدوِّهم هَمٌّ غيرَهم ) ).

وقد يتقنَّع الرجل ليدفع عن وجهه البردَ أو سمومَ الحَرِّ، وقد يتقنَّع إذا نابه أمرٌ وأقلقه [2] ، وقد يتقنع إذا غلبه البكاء، وقد يتقنع ليستر سيما جماله.

فهذا قِناع الرجل؛ لا يكون قِناعًا حتى يَتَجَلَّلَ الرجلُ من فوق رأسه بما يُخْفِيَ غالب السيما والملامح، فالقناع غير اللثام، فاللثام لا يغطي إلا الفم وما قرب منه ويكون بطرف عمامة أو خمارٍ وما أشبه لا بما يكون من فوق الرأس.

وكذلك الشأن وأوكدُ في قناع المرأة؛ فإنها لا تَتَقنَّع إلا تَمَنُّعًا من بَذْلِ محاسنِ وجهها لكلِّ ناظر، إذْ لا معنى أنْ يُقال إنها قد تَقَنَّعت إذا سترت شعرها والناظرُ يَرْتَعُ في محاسن وجهها ويُثْبِتُ كلَّ ملامحها ويتأمَّلُ سيماها كيف شاء!

قال عنترة العبسي [3] :

إنْ تُغْدِفي دوني القِناع فإنني ... طَبٌّ بأخْذِ الفارس المستلئم

قال أبو عبيد القاسم بن سلاّم [4] : (( أغدفت المرأة قناعها إذا أرسلته على وجهها لتستره، قال عنترة ... ) )، ثم ذكر البيت.

فصار قناعها ساترًا لمحاسن وجهها من نظره.

وفي صحيح مسلم قول عائشة رضي الله عنها تذكر خروجها في أثر النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - [5] : Mفجعلت دِرْعي في رأسي واختمرت وتقنَّعت إزاري ثم انطلقت على أثره L.

والإزار الذي تقنَّعته هو الجلباب؛ قال الأزهري [6] : (( قال أبو العباس: قال

(1) البيان والتبيين (3/ 100 - 101) .

(2) كما تقنَّع النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بردائه لما مرَّ بالحِجْر وقال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم) ، أخرجه البخاري (رقم 3200) ، ومسلم (رقم 2980) .

(3) الأغاني (2/ 349) .

(4) غريب الحديث (3/ 12) .

(5) صحيح مسلم (974) .

(6) تهذيب اللغة: (11/ 65) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت