الصفحة 126 من 145

والمسلم مأمورٌ بالتباعد من أسباب الفتن، ولا يأمن على نفسه الفتنة إلا مفتون، ولا يُسَهِّل في تقريب النساء من الرجال الأجانب إلا مراغمٌ لتحذير النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وأسباب الفتن متنوعة كفتن النساء وفتن الدنيا وفتن المال والأولاد المذكورة في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} [الأنفال:28] ، والتباعد من كلٍّ فتنةٍ يكون بحسب أسبابها المفضية إليها.

2 -الأمر بالتباعد في أماكن العبادة أبعد الأماكن عن الريبة:

قد أمعنت الشريعة المطهَّرة في مقصدها فلم تستثنِ مكانًا يمكن أن يتقارب فيه النساء من الرجال إلا وأظهرت كراهتها لذلك أيَّ كراهة، حتى وإن كان ذلك المكانُ أبعد الأماكن عن الريبة أو كان النساءُ فيه على أستر ما يكون، فأخرج مسلمٌ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال [1] : Mخير صفوف الرجال أولها وشرُّها آخرها، وخيرُ صفوف الرجال آخرها وشرها أولها L.

فهذا أمر الشريعة بتباعد الرجال عن النساء في بيوت الله التي تحضرها الملائكة فكيف بالأسواق؟ بل كيف بأماكن العمل التي يجتمع فيها الرجال بالنساء تحفهم شياطين الفتن من كلِّ جانب!

وأخرج البخاري [2] عن ابن جريج قال: Mأخبرني عطاءٌ إذْ منع ابنُ هشام [3] النساءَ الطوافَ مع الرجال؛ قال: كيف يمنعهن وقد طاف نساءُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مع الرجال؟ قلت: أبَعْدَ الحجاب أو قَبْل؟ قال: إي لعمري لقد أدركته بعد الحجاب، قلت: كيف يخالطن الرجال؟ قال: لم يَكُنَّ يخالطن؛ كانت عائشةُ رضي الله عنها تطوفُ حَجْرَةً مع الرجال لا تخالطهم [4] ، فقالت امرأةٌ: انطلقي نستلم يا أمَّ المؤمنين، قالت: عنكِ، وأبَتْ، وكُنَّ يَخْرُجنَ متنكِّراتٍ بالليل فيَطُفْنَ مع الرجال، ولكنهنَّ كُنَّ إذا دخلن البيت قُمْنَ حتى يدخلنَ وأُخْرج الرجال L.

(1) صحيح مسلم (رقم 440) .

(2) صحيح البخاري (رقم 1539) .

(3) هو محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي ولي مكة لهشام بن عبد الملك من 106 هـ إلى 125 هـ، تاريخ خليفة بن خياط (ص 357) .

(4) حَجْرة أي ناحيةً عنهم كما فسَّرها (لا تخالطهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت