الصفحة 138 من 145

فجعل دخوله عليهما خاصًّا بهما دون غيرهما من النساء الأجنبيات مُعَلَّلًا بالعلة المشتركة بينهما وهي أنَّ أخوهما قُتِلَ معه، ثم أضاف إليه ما يكون بين الرجل وأهل خادمه، وبيَّن أنه ليس في الحديث ما يدلُّ على خلوة، لكنْ تعقبه الحافظ بوجود ما هو أبلغ من الخلوة من الملامسة في التفلية والنوم في الحجر.

فلم يخرج الدمياطي عن القول بالمحرمية إلا إلى الخصوصية، ثم جعلها مقيدة، فهو يدور على البحث عن سببٍ خاصٍّ مُبيح لدخوله - صلى الله عليه وسلم -.

وكلُّ هذه التقريرات للخصوصية ضعيفةٌ، لأنَّ اختصاصه بأمرٍ من دون سائر المؤمنين في مثل هذا الأمر الذي قد تَعْلَق منه شبهةٌ أو طعنٌ يحتاج إلى نصٍّ صريحٍ يعرفه الخاص والعام كما في نكاحه فوق أربع ونكاح الواهبة نفسها وكما في تحريم أزواجه من بعده، أما العلم بكلِّ قراباته من الرضاعة بأعيانهم فليس ذلك شرعًا يجب أنْ يُبَيَّنَ للأمة.

بل دلَّ الدليل على أنه لا خصوصية له في ذلك كما في حديث أمِّ المؤمنين صفية رضي الله عنها لما مرَّ رجلان عند باب المسجد فأسرعا فقال: Mعلى رسلكما إنها صفية L [1] ، ثم بيَّن أنه قال ذلك خشيةَ أنْ يُلْقِيَ الشيطانُ في قلوبهما شيئًا، فلو كان للخصوصية مكانٌ ما كان ظَنُّهما أنه قد خلا بأجنبيةٍ وهو في المسجد عند بابه معتكفًا في العشر الأواخر شرًّا.

والخلاصة من ذكر أقوال أهل العلم أنه قد تبيَّن أنهم مُجْمِعون إجماعًا ظاهرًا على أنَّ نسبة النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إلى استباحة الدخول على المرأتين بلا سببٍ شرعيٍّ مبيحٍ إباحةً صريحة؛ أنه من أقوال السوء التي لا يحلُّ لمسلمٍ أن يشتمل عليها.

وهذا يؤدِّي أمرين لا مناصَ منهما لمن عَقَلَ كلامَ أهل العلم ولزم إجماعهم:

الأمر الأول: أنه لا دليلَ بإجماع أهل العلم في تلك الأحاديث على ما زعم أحمد بن قاسم من جواز الخلوة ومن جواز فلي المرأة رأس الرجل الأجنبيِّ، وكذلك أشياء أخرى صَدَّ عنها ونأتي بها ونلزمه إياها إرغامًا له وهي جواز نومه في ... فراشها ورؤيتها وهي تغسل شعرها.

فمَنْ قال من أهل العلم بالمحرمية فقد أبطل إيراد الأحاديث من أساسه، ومَنْ

(1) صحيح البخاري (رقم 1930) ، وصحيح مسلم (رقم 2175) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت