فهرس الكتاب
الشواذ جنسيًا -حسب قولهم- أعلى في سلم الإنسانية من الأشخاص الطبيعيين، فالشواذ تمكنوا من أن يختاروا سلوكهم الجنسي ذكريًا كان أم أنثويًا، وبذلك فقد تحرروا من إرهاصات الطبيعة التي خلقوا عليها، ومن ثمة فقد تحقق فيهم معنى الإنسانية.
وبعد هدم مرجعية الوحي والأخلاق فلم تعد الكنيسة المكان الملائم لتكون منبر الحقيقة؛ لذا فقد تم الاستعاضة عنها بمنبر جديد استحدث لهذا الغرض سمي بالجامعات، ولم يعد الراهب الشخص الملائم لحمل الحقيقة، فتمت الاستعاضة عنه بحامل اللقب الجامعي وهو الدكتور، ولم يعد الوحي مصدرًا مقبولًا للحقيقة، فتمت الاستعاضة عنه بالمنطق الرياضي، داخل المنبر الجديد للحقيقة (الجامعة) تمت صياغة مرجعية جديدة لقياس التفاضل بين البشر أفرادًا وأممًا، وهي مرجعية الصراع مع الطبيعة.
فبالنسبة لهم: الإنسان في حالة صراع دائم ومتواصل مع قوى الطبيعة للحفاظ على البقاء، وتعتبر الحضارة نتاج مباشر لتفوق الإنسان في هذا الصراع، والدين هو رمز الهزيمة في هذا الصراع. ويمكننا من خلال مفهوم الصراع تفسير كل النشاط البشري، فالغنى هو نتيجة الصراع ضد الفقر، والصحة هي نتيجة الصراع ضد المرض، والعلم هو نتيجة الصراع ضد الجهل، والقوة هي نتيجة الصراع ضد الضعف ...
إذًا فالمكاسب الحضارية في أي ناحية من مناحي الحياة هي غنيمة حرب يحل للغانم أن يفعل بها ما يشاء وكيف ما شاء، وليس هنالك سلطة تنازعه ثمرة انتصاراته وتعبه أو تملي عليه ما يجب فعله.
وبذلك فالتفاضل بين البشر يحتكم فيه أولًا وأخيرًا إلى مقدار الانتصارات المحققة في هذه الحرب، وبالتالي فكل من أتى بكسب في هذه الحرب حق له تخليد ذكراه في حياة البشر.
ويسهل على من تبنى هذا المقياس: إثبات تفوق الوثنيين على الموحدين؛ لأن البابليين هم مَن بنى الحدائق المعلقة، وليس إبراهيم، والفراعنة هم مَن بنى الأهرام، وليس موسى، وثمود هم من جاب الصخر بالواد، وليس صالح، وعاد هم من شيدوا إرم ذات العماد، وليس هود، فهؤلاء الأقوام بالنسبة للمتأنسنين هم من عمروا الأرض، وشيدوا الصروح، وبنوا الآيات، بذلك فهم