ومن الصيغة الثانية قوله: (( فانتفعوا بمعرفتكم بها، وبإخبار الله عنها، واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتهم عصمة الله تعالى فحذروا مصارعها وجنبوا خدائعها، وآثروا طاعة الله فيها، فأدركوا الجنة بما تركوا منها ) ).
ويأتي شرح معنى الصلاح والاستقامة على منهج الله تعالى، يأتي في أسلوب رصين محكم تتراوح فقرة بين الطول والقصر كقوله رحمه الله:
(( كونوا قوما سألوا الرجعة فأعطوها، إذا منعها الذين طلبوها، فإنه ليس يتمنى المتقدمون قبلكم إلا هذا المهل المبسوط لكم إلى قوله:(فلينظر عبد ما يضع في ميزانه مما يثقل به وما يمل في صحيفته الحافظة لما عليه وله) .
والخلاصة أن هذا النص قد جمع من القيم الخلقية في إطاره ما يثقل به الكلام في التأثير، لأن مجمع الخلق القويم إنما يكون في السلوك ومتى حسن سلوك المرء حسن خلقه ومتى حسن خلقه حسن كلامه ومتى اجتمعت له هذه القيم مال الصلاح والتقوى التي هي الأصل الخلقي الذي تتفرع منه القيم الإسلامية كلها فهي الباعث الملهم لمحامد الأخلاق، وهي الصمام الذي يحكم كل قول ويضبط كل فعل ولذلك نلحظ في نص هذه الخطبة وفي غيرها من نصوص الخطابة الإسلامية إن نص الخطابة في الإسلام قد ساير هذه التعاليم الدينية الهادفة الملتزمة لمحامد الأخلاق [1] وكثرة تلك النصوص التي سارت في هذا الاتجاه منذ عهد محمد صلى الله عليه وسلم إلى العهد الأموي كله والصدر الأول من العهد العباسي وما وليه من عصور الأدب إلى عصر النهضة الحديثة الذي لم تزل منابر الخطابة فيه تضج بعبارة الوعظ والإرشاد والتوجيه وحسبنا في هذا خطب الدعاة والعلماء الذين لا يزالون ينافحون عن دين الله بالكلمة الطيبة وينشرونه بين الناس وفق منهج سليم فكريا وأدبيا وعلميا فهو جهاد بالنفس والمال والسلاح والكلمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ونلحظ في جميع الخطب الإسلامية خلوها من زخرف القول والصنعة لاتجاهها إلى شرح حقائق الإسلام وتبين نظامه وبسط أحكامه ومثل هذا الشأن لا يصلح فيه أسلوب المجازات وأسلوب الصنعة الكلامية فهو إلى أسلوب الحقيقة أحوج لقيامه بشرح الحقيقة المتمثلة في حقيقة هذا الدين الحنيف.
(1) القيم الخلقية في الخطابة العربية ص 61، 69/ سعيد حسيم منصر/ الطبعة الثانية.