الصفحة 43 من 153

ولو أن إنسانا تفكر في رمانة فنظر في تصفيف حبها وحفظه بالأغشية لئلا يتضاءل وإقامة الماء على عظم العجم، وجعل الغشاء عليه يحفظه وتصوير الفرخ في بطن البيضة، والآدمي في حشا الأم إلى غير ذلك من المخلوقات دفعه كل ذلك إلى تعظيم الخالق، فقال:"سبحان الله"وكان هذا التفكير ثمرة الفكر [1] .

وثمر هذا التفكير لدى الأديب المسلم يعني أن من أرقى وظائف الأدب أن يظل مرآة صادقة تعكس ما للأمة والشعب من دور حضاري، وأن يعبر الأدب عن خلجات وأفكار نفس إنسانية حية تعمل لرفعة الفرد والجماعة على حد سواء، والأدب الإسلامي أدعى إلى التأثير بما يعيشه المجتمع المسلم في مكان وزمان من تفاعلات وأحداث ووقائع وسير يزنها الأديب شاعرا أو ناثرا بالقسطاس المستقيم ناصحا ومرشدا وموجها أو متألما نادبا متحسرا إن كانت هذه الأحداث والوقائع والتفاعلات تسير في خط معاكس لما يجب أن يكون عليه المسلم من تبصر وتبصير بحياته وفردا مسلما ينتمي إلى مجتمع مسلم له كيانه ومآله ومصيره وقيمته بين الناس كافة.

وما دام الأمر كذلك فإن الأدب الإسلامي هو ذلك العامل الأساس والأداة الفعالة التي تحرك عجلة المجتمع المسلم وتديره لتعمل وفق ناموس طبيعي يؤثر وينتج بقدر ما تتحد الأهداف وتتجه الآمال ويحسن العطاء معطيه ويحسن المتلقي أخذ ما يسدى إليه.

ولقد أعطى المأمون في خطبته هذه عطاء من يعرف الأدب ويدرك مدى تأثير الكلمة قبل إخراجها ولذلك تنوعت أفكار خطبته في إطارها التعبيري فانتظمت في ثناياها عددا من بسط القيم الخلقية كشرح مفهوم التقوى والحذر من الركون إلى الدنيا وشرح معنى الصلاح.

فمفهوم التقوى - كما جاء في نص الخطبة - أن تقرن بالعمل الصالح والاستعداد لما اعتدل فيه اليقين ولم يحتضر الشك فيه وهو الموت وأن يبادر: بالأعمال الصالحة لتحقيق تقوى الله عز وجل.

فاتقوا الله عباد الله وبادروا الأمر الذي اعتدل فيه يقينكم، ولم يحتضر الشك فيه أحدا منكم.

والتحذير من الركون إلى الدنيا يأتي في أسلوب من السهل الممتنع فعبارة تذم وتقدح في الدنيا والركون إليها، وعبارة تعتدل في تقويم النظرة إلى هذه الحياة وإنها وسيلة لا غاية.

فمن الصيغة الأولى قوله رحمه الله (ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها فإن كل ما لها ينهى عنها وكل ما فيها يدعوا إلى غيرها"."

(1) صيد الخاطر لابن الجوزي ص 341 - دار الفكر مراجعة وتحقيق علي الطنطاوي وناجي الطنطاوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت