إلا هذا المهل [1] المبسوط لكم، واحذروا ما حذركم الله تعالى منه، واتقوا اليوم الذي يجمعكم الله فيه لوضع موازينكم، ونشر صحفكم الحافظة لأعمالكم فلينظر عندما يضع في ميزانه مما يثقل به، وما يمل [2] في صحيفته الحافظة لما عليه وله، فقد حكى الله تعالى لكم ما قال المفرطون عندها إذ طال إعراضهم عنها قال: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} [3] ، وقال: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [4] .
ولست أنهاكم عن الدنيا بأعظم مما نهتكم الدنيا عن نفسها فإنه كل ما لها ينهى عنها، وكل ما فيها يدعوا إلى غيرها، وأعظم مما رأته أعينكم من عجائبها ذم كتاب الله تعالى لها ونهي الله عنها فإنه يقول: {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [5] وقال: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [6] .
فانتفعوا بمعرفتكم بها، وبإخبار الله تعالى عنها، واعلموا أن قوما من عباد الله أدركتم عصمة الله تعالى فحذروا مصارعها، وجانبوا خدائعها، وآثروا طاعة الله تعالى فيها، فأدركوا الجنة بما تركوا منها [7] .
إذا تأملنا أفكار هذا النص من خطبة المأمون أدركنا سر الإيمان وعظمته وكيف يصنع في القلوب اليقظة والضمائر الحية والنفوس الزكية والأرواح المطمئنة.
فإن تعابير هذه الخطبة مواعظ زاجرة، وعبر مؤثرة وأقوال تنم عن حصافة عقل ونضح عاطفة دينية وقودها الآيات والأحاديث الشريفة والتفكير في عظمة الخالق على حد ما قال الإمام ابن الجوزي:
"تأملت على أكثر الناس عباداتهم فإذا هي عادات، فأما أرباب اليقظة فعاداتهم عبادة حقيقية، فإن الغافل يقول سبحان الله عادة، والمتيقظ لا يزال فكره في عجايب المخلوقات أو في عظمة الخالق، فيحركه الفكر فيقول"سبحان الله"."
(1) المهل بالتحريك أى اتاد وتقدم في الخير/ أساس البلاغة للزمخشري من مادة مهل.
(2) يمل بضم الياء وكسر الميم أى أملى الكتاب. والملى الزمان الطويل/ مختار الصحاح للرازي مادة ملل.
(3) سورة الكهف الأية 49.
(4) سورة الأنبياء الأية 47.
(5) سورة لقمان الأية 33.
(6) (( سورة محمد الأية 36.
(7) عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 255، 256.