الصفحة 47 من 153

وهذا يعنى أن الفريق المستشرق لم يدرس تلك القضية دراسة فاحصة عميقة تقف الباحث على الحكم المنصف قبل أن يطلقه، وإنما أطلق حكمه لغرض فكري الهدف منه تنقص الفكر العربي والإسلامي ورميه بالضحالة والتقصير.

وإن الفريق الثاني وهم العرب الباحثون الذين ساروا في اتجاه هؤلاء المستشرقين قد غفلوا عن الهدف الإستشراقي من وراء ذلك الافتراء الذي ينزع عن رمي التراث العربي بالنقائص، وأنه عالة على غيره من فكر الأمم الأخرى وحضارتهم، وكان الأولى بالفريقين أن يتفحصوا - بدقة - تراث الأمة العربية ولكل فريق بعد العناية الفاحصة أن يصدر ما يراه موضوعيا في نقد التراث من خلال هذا الجانب.

والحق أن العرب قد عرفوا القصة منذ أقدم العصور وتراثهم حافل بالألوان القصصية المختلفة التي تدل على وجود فطرة تنشئ القصة وتتذوقها، وقد شهد بذلك بعض المستشرقين في آرائهم المنصفة من مثل:"كارل بروكلمان"الذي يقول في حديثه عن أولية النثر:"لم يكن الشاعر وحده هو الذي تهفو إليه الأعين عند عرب الجاهلية، بل كان القاص يقوم - أيضا - مقاما هاما إلى جانب الشعر في سمر الليل، بين مضارب الخيام لقبائل البدو المتنقلة، وفي مجالس أهل القرى والحضر [1] . وهذا"جوستاف لوبون"يقول عن العرب في إحدى رحلاته إلى الشرق:"أتيح لي في إحدى الليالي أن أشاهد جمعا عربيا من الحمالين والنواتي والأجراء يستمعون إلى إحدى القصص، وإني لأشك في أن يصيب قاص مثل ذلك النجاح لو أنشد جماعة من فلاحي فرنسا شيئا من أدب"لامارتين"أو"شانو بريان"فالجمهور العربي ذو حيوية وتصور يتمثل ما يسمعه كأنما هو يراه [2] "."

وهذه الآراء السابقة القائلة بخلو الأدب العربي القديم من جوانب القصة الأدبية لا اعتماد عليها لأنها تخلوا من الحجة والدليل إذ نفي هذا اللون من الأدب نفي مجمل عام. أما لو كان النفي مسلطا على القيم الفنية في نصوص التراث الأدبي التي حفظت لنا ألوانا متباينة الطعوم تحكي المواقف الإنسانية والطرف التي هي من قبيل القصة والأقصوصة لو كان هذا هو ما يعنيه هؤلاء النقاد لأمكن أن يكون ما تناقلوه ما أراء وأثاروه من نقد مثار جدل وأخذ وعطاء، لأن القصة في الأدب العربي القديم نشأت كغيرها من فنون الأدب لم تستقم لها معالم الفنية إلا عند ظهور الإسلام حين

(1) تاريخ الأدب العربي بروكلمان ص 128 دار المعارف ط 3.

(2) القصص في أدب العرب لمحمود تيور ص 24، والقصص في الحديث النبوي الشريف د/ محمد بن حسن الزير ص 33 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت