وأما الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم - صلى الله عليه وسلم -.
وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة - قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين.
وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم قوم خلطوا عملا صالحا وأخر سيئا تجاوز الله عنهم [1] .
وبعد فما يقول القائل حول هذا النص القصصي الكريم من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
أيعمد الناظر إلى استجلاء الخصائص الفنية للألفاظ والجمل والتراكيب أم يعمد إلى استجلاء المعاني النبوية الشريفة أم إلى الكلام على أهداف هذه القصة وبيان مغزاها؟ أم إلى الحديث عن الخصائص الفنية التي تتميز بها القصة في الأدب العربي على نحو مما درسه النقاد المعاصرون؟
كحديثهم عن عناصر القصة التي تنبني من الخبر والعقد والحل وكحديثهم عن أبطال القصة ودور كل واحد منهم.
وكحديثهم عن الحبكة ومدى تلاحم بنائها في تصوير الأحداث وتجسيد الأخبار، وبيان أوصاف هذه الحبكة من حبكة متماسكة أو حبكة مفككة، كل تلك الخصائص تتطلب من الناظر تأملا طويلا.
ولنبدأ بخصائص الألفاظ واستجلاء أوصافها ومدى تلاحمها مع الجمل والتراكيب وصياغة الصورة وأداء المعنى.
أما الألفاظ فقد تميزت بالسلاسة والوضوح، وبرئت من الغرابة والخشونة وجاءت كل لفظة مثل أختها حيث لا يحس القارئ بين كل لفظة وأخرى بوصف نشاز يبعد هذه عن تلك، بل جاءت كل لفظة بما يتناسق مع الأسلوب القصصي من حيث العناية بتخير اللفظ المتلائم مع عبارات النص، وهذا هو معنى التناسب الذي هو ضد المغايرة، حتى لتكاد كل لفظة أن تحمل معناها وتعين ما بعدها وما قبلها في حسن العرض وسرد الحوادث والأخبار بطريقة لا تمل.
ومن أبرز خصائص الألفاظ في هذا النص القصصي الكريم التناسب مع جو الحدث والخبر حيث ورود كل منهما على هيئة متميزة على حسب الغاية من إيراده.
ولذلك يجد الناظر في سياق كل حدث أو كل خبر ما يناسب معناه ومبناه من حيث الجزالة والفخامة أو الرقة والسهولة، فانظر إلى قوله - صلى الله عليه وسلم:"فإذا رجل متسلق على قفاه، ورجل قائم بيده فهر أو صخرة فيشدق بها رأسه."
(1) صحيح البخاري جـ 9 ص 80 وما بعدها طبع ونشر دار المعارف 7 الرياض.