الصفحة 110 من 169

فضلًا عن أن قصوره في المعرفة يُفْضِي إلى الخطأ والتطرف، ولكن لما كان الشعب آلة يحرِّكها المشرِّعون طبق إرادتهم فمن الضروري أن نستخدمه لتأييدنا، وأن نحمله على بُغْض كل ما نرمي إلى هدمه، وأن نغذيه بالخيالات والأوهام، كذلك يجب أن نشتري كل الأقلام المرتزَقة التي تبثُّ مبادئنا، والتي تعرف الشعب أعدائنا الذين نهاجمهم رجال الدين مثلًا وهم أقوى الطوائف تأثيرًا في الرأي العام، لا يمكن هدمهم إلا بالسخرية من الدين والتشهير بأقطابه وتصويرهم أوغادًا منافقين؛ ذلك لأن محمدًا مهد لإنشاء دينه بالطعن في الوثنية التي كان يعتنقها العرب، ومن الواجب أن تقوم النشرات القاذفة في كل وقت بحملات جديدة على رجال الدين فنبالغ في تصوير ثرائهم ونعيمهم، وننسب إليهم كل الرذائل والمفاسد، فالقذف والقتل والكفر كلها مباحة في أوقات الثورة.

ثم يجب أن نُشِين من قدر النبلاء، وأن نرجعهم إلى أصل ساقط، وأن نبثَّ فكرة مساواة لا يمكن تحقيقها ولكنها تكون ملكًا للشعب، كذلك يجب أن نطارد المتعنِّتين وأن نحرقهم وأن نحطِّم ثرواتهم حتى تردع الباقين، فإذا لم نَفُزْ بسحْق هذه النزعة فإنا نضعها، والشعب ينتقم لكبريائه وغيرته بارتكاب صنوف الإفراط والتطرف التي تجرُّه إلى الخضوع والاستسلام.

ثم تأتي الوثيقة بعد ذلك على دور الجند فتصف كيف يجب إغراؤهم وحملهم على العصيان، ثم تصف القضاة بأنهم ظلَمة فُجَّار ... وتقرر عن مناهج الثورة بما يأتي: ماذا تهم الفرائس وعددها؟ وماذا يهم التخريب والإحراق والنهب والسفك وكل ما تقتضيه الثورة؟ يجب أن لا نقدس شيئًا وأن نأتمَّ بقول ميكافيللي: بماذا تهمُّ الوسائل ما دامت تفضي إلى الغاية؟

ثم يقول الأستاذ محمد عنان معقِّبًا على هذه الوثيقة:"ليس ثمة ما يؤيد هذه الوثيقة من الوجهة التاريخية، ولا ما يؤكِّد نسبتها إلى (ميرابو) ، ولكن أليس فيما ورد فيها كثيرًا مما نستشف من حوادث الثورة من مناهج وخطط؟"

على أن هناك ما يدل على أن هذه الوثيقة وغيرها من الوثائق التي وُجِدت بين أوراق (ميرابو) والتي تلقي ضياء كبيرًا على اتصاله بالشعلة البافارية والبناء الحر تؤيِّد أنه كان ثمة مؤامرة كبيرة دبرت في أقبية الجمعيات السرية لإضرام نار ثورة عامة تكون فرنسا مهدها ومسرحها الأول، فقد ذكر (ديشان) مثلًا أن (أدريان ديبور) تلا في 21 مايو سنة 1790 على لجنة الدعوة مشروعًا هائلًا للهدم جاء فيه: لقد قرَّر المسيو (ميرابو) أن الثورة السعيدة التي وقعت في فرنسا يجب أن تكون بالنسبة لجميع شعوب أوربا يقظة الحرية وللملوك سبات الموت، وأن (ديبور) لم يرَ رأي (ميرابو) في الاقتصاد مؤقتًا على الاهتمام بما يدور في فرنسا من الحوادث، بل قرَّر أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت