إن مؤرخ الثورة الفرنسية قلَّما يُعْنَى بتحديد هذا الدور أو الإشارة إليه، ولكن مؤرخ الجمعيات السرية لا يسعه أن يغفل الكلام عن عامل من أهمِّ العوامل التي أسبغت على الثورة صبغتها العالمية، وجعلت منها قدوة عامة لجميع الحركات الهدامة التي قامت من بعدها ونسجت على منوالها.
ولنا في حياة (ميرابو) وتصرفه دليل آخر على نشاط الجمعيات السرية في إضرام نار الثورة، فقد رأينا أن (ميرابو) داعية متحمِّس من دعاة الشعلة، ورأيناه يعمل في معظم الجمعيات السرية التي كانت قائمة في ذلك الحين، ولما تفاقم الخلاف بين نواب الطبقات وبين البلاط كان (ميرابو) من أنشط العاملين على إذكاء فورة الشعب، وبث روح الخروج والثورة في نواب الطبقات وزعماء الجماهير، بل كان أوَّل مَن رفع لواء العصيان وأشد مَن حرض على تأليف الجمعية الوطنية التي كان قيامها فاتحة النضال الحقيقي بين الشعب والملكية، ومن الصعب أن نستشف من الموقف الذي وقفه (ميرابو) عندئذ حقيقة الدور الذي أثاره وحي الشعلة وغيرها من الجمعيات السرية في ثنايا المعركة التي أخذ يضطرم لظاها بين دعاة الثورة والهدم وبين النُّظُم القديمة، ولكن أليس لانتماء (ميرابو) و (دانتون) و (بريسو) و (كاميل ديمولان) و (لافاييت) إلى محافل البناء الحر التي غلبت عليها نزعة الشعلة وتعاليم (فيسهاوبت) مغزًى مهم إذا فكرنا أن هؤلاء كانوا من أعظم قادة الثورة الفرنسية؟ بل إذا فكرنا أن (دانتون) و (بريسو) كانا من أعظم دعاة الهدم والمحو، وأن (كاميل ديمولان) كان أول من دفع الشعب إلى حمل السلاح والوثوب بالباستيل، بل أن خطة الثورة كلها قد وجدت مدوَّنة في وثيقة وُجِدت بين أوراق (ميرابو) على ما جاء في نشرة ظهرت في سنة 1791 عنوانها (خفايا المؤامرة) .
وناشر هذه الرسالة يقرر أن الوثيقة المذكورة وعنوانها ملخص أو مشروع ثورة المسيو (دي ميرابو) قد ضُبِطت في منزل مدام (كاي) زوج ناشر كتب (ميرابو) وذلك في 6 أكتوبر سنة 1789 م، وتفتتح هذه الوثيقة بحملة مُرَّة على الملكية الفرنسية ثم يقول كاتبها:"ويجب من أجل أن نظفر بذلك المارد الجبار أن نقوم بما يأتي:"
يجب أن نسحق كلَّ النُّظُم، وأن نلغي كلَّ القوانين، وأن نمحو كلَّ السلطات، وأن نترك الناس في فوضى وقد لا تنفذ القوانين التي نسنُّها في الحال، ولكنا متى رددنا السلطة إلى الشعب فإنه سوف يقاتل من أجل حريته التي يعتقد أنه يقاتل لصونها، ويجب أن نغضي عن كبرياء الأفراد، وأن نعلق آمالهم وأن نَعِدَهم بالسعادة متى بدأ عملنا، ويجب أن نجانب أهواءهم وما تمليه إرادتهم؛ لأن الشعب مُشَرِّع شديد الخطر فهو لا يسن من القوانين إلا ما يتَّفق مع شهواته، هذا