لجمعيته من جميع الطبقات والأهواء والأفكار، فنجد بين أعضاء الشعلة من شاعر عبقري مثل (جيته) وغيره من أصحاب المُثُل العليا إلى أخطر دسَّاس ومتآمر وخيالي وطامع وناقم وساخط يجتمعون كلهم في حظيرة واحدة، ويعملون لغاية واحدة وكل يجهل خلافه من الآخر.
وقد رأينا أن (فيسهاوبت) لم يكن مبتدِعًا لتلك الطريقة المدهِشة، وإنما نشأتْ في المشرق وابتدعها ذكاء الفيلسوف الشرقي (عبدالله بن ميمون) ، غير أن (فيسهاوبت) كان أول مَن طبَّقها في جمعية سرية أو ثورية غربية وطبقها بنجاح مدهش، ومن ثَمَّ غدت طريقة لكل جمعية سرية أو ثورية غربية أخرى، وهو ما يضع (فيسهاوبت) في صفِّ زعماء الثورة وأقطاب الهدم والنظم والجمعيات السرية"."
ويقول الأستاذ محمد عنان في كتابه"تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة"أيضًا في صفحة (139 - 146) :"رأينا مما تقدَّم أن الهدْم الشامل غايةٌ تجثم وراء جهود كل الجمعيات السرية، سواء تلك التي قامت في المشرق لهدم الإسلام وتعاليمه بل هدم كل الأديان على الإطلاق وما حملت من نظم سياسية واجتماعية وأخلاقية، أو تلك التي قامت في المغرب لهدم النصرانية وما حملت من تعاليم ونظم ومدنية، وما أقامت من صروح للحياة العامة، وما سنَّت من شرائع وتقاليد وعُرْف."
ثم رأينا هذه الجمعيات السرية والحركات الهدَّامة الخفية قد بلغت في الغرب ذروة الاتساع والبأس في أواخر القرن الثامن عشر؛ حيث ازدهرت محافل البناء الحر في فرنسا وألمانيا واتسع شأنها واستفحل نفوذها بين جميع الطبقات، وحيث قامت الشعلة البافارية وبثَّت تعاليمها في ألمانيا وفرنسا، وبعثت لمحات من نُظُمها ونشاطها إلى البناء الحر وإلى طائفة كبيرة من الجمعيات السرية الأخرى، وحيث اندسَّ دعاة الكابالا والسحَرة إلى جميع أنحاء أوربا، وظهر أقطاب السحرة الكاباليين مثل البارون (فون افنباخ) والكونت (سان جيرمان) و (كاجليو سترو) و (فوك) والذين خلبوا مجتمعات هذا العصر بدعاويهم وشعوَذتهم، ونلاحظ أن تلك الفورة العامة التي شملت كل الجمعيات والطوائف السرية في هذا العصر قد حدثت قُبَيل الثورة الفرنسية بأعوام قليلة، وأن المجتمع الفرنسي الذي تأثَّر بروح هذه الفورة وأعراضها وتعاليمها أكثر من أي مجتمع آخر هو المجتمع الذي قام بالثورة ونفذ برنامجها الممعن في الهدم والمحو على مثل لم يشهده التاريخ.
لذلك حق علينا أن نعنى بتحديد الدور الذي قامت به الجمعيات السرية في إضرام نار الثورة الفرنسية، والآثار التي بعثتها جهودها إلى الثورة في أطوارها ووجهاتها المختلفة.