أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرِّشْوَةَ رِشَاءُ الْحَاجَةِ، فَكَمَا أَنَّ الدَّلْوَ الْمَمْلُوءَ مِنَ الْمَاءِ يَصِلُ مِنَ الْبَعِيدِ إِلَى الْقَرِيبِ بِوَاسِطَةِ الرِّشَاءِ، فَالْمَقْصُودُ: الْبَعِيدُ يَصِيرُ قَرِيبًا بِسَبَبِ الرِّشْوَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَاكِمَ بِسَبَبِ أَخْذِ الرِّشْوَةِ يَمْضِي فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ كَمُضِيِّ الدَّلْوِ فِي الْإِرْسَالِ، ثُمَّ الْمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا وُجُوهًا:
أَحَدُهَا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْوَدَائِعُ وَمَا لَا يَقُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ مَالُ الْيَتِيمِ فِي يَدِ الْأَوْصِيَاءِ يَدْفَعُونَ بَعْضَهُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَبْقَى عَلَيْهِمْ بَعْضُهُ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْحَاكِمِ شَهَادَةُ الزُّورِ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَلْبِيِّ.
وَرَابِعُهَا: قَالَ الْحَسَنُ: الْمُرَادُ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ لِيُذْهِبَ حَقَّهُ.
وَخَامِسُهَا: هُوَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ رِشْوَةً، وَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى الظَّاهِرِ، وَلَا يَبْعُدُ أَيْضًا حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْكُلِّ، لِأَنَّهَا بِأَسْرِهَا أَكْلٌ بِالْبَاطِلِ.
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فَالْمَعْنَى وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ مُبْطِلُونَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْقَبِيحِ مَعَ الْعِلْمِ بِقُبْحِهِ أَقْبَحُ، وَصَاحِبُهُ بِالتَّوْبِيخِ أَحَقُّ، رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلَانِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَالِمٌ بِالْخُصُومَةِ وَجَاهِلٌ بِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَالِمِ، فَقَالَ مَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ: يَا رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنِّي مُحِقٌّ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أُعَاوِدُهُ، فَعَاوَدَهُ فَقَضَى لِلْعَالِمِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلًا ثُمَّ عَاوَدَهُ ثَالِثًا، ثُمَّ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:"مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِخُصُومَتِهِ فَإِنَّمَا"