فهرس الكتاب
وَقَدْ رَأَيْتُ لِابْنِ تَيْمِيَةَ مُنَاقَشَةَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَلَكِنَّهُ جَاءَ بِأَمْثِلَةٍ قَابِلَةٍ هِيَ لِلنِّقَاشِ، فَقَالَ: لَيْسَ كُلُّ غَايَةٍ مَشْرُوعَةٍ تَكُونُ وَسِيلَتُهَا مَشْرُوعَةً، كَحَجِّ الْمَرْأَةِ وَخُرُوجِهَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ مَشْرُوطٌ فِيهِ وُجُودُ الْمَحْرَمِ. وَالثَّانِي: مَشْرُوطٌ فِيهِ إِذْنُ الزَّوْجِ.
وَالنِّقَاشُ لَهَا أَنَّ سَفَرَ الْمَرْأَةِ مُطْلَقًا مَمْنُوعٌ إِلَّا مَعَ الْمَحْرَمِ، سَوَاءٌ كَانَ لِهَذَا الْمَسْجِدِ وَلِلْحَجِّ أَوْ لِغَيْرِهِ.
وَخُرُوجُهَا إِلَى الْمَسْجِدِ لَيْسَ بِمَطْلُوبٍ مِنْهَا فِي الْأَصْلِ، وَلَكِنْ إِذَا طَلَبَتِ الْإِذْنَ يُؤْذَنُ لَهَا. فَالْأَصْلُ فِيهِ الْمَنْعُ حَتَّى تَحْصُلَ عَلَى الْإِذْنِ.
وَعَلَى هَذَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ شَدُّ الرَّحْلِ إِلَيْهَا غَيْرَ مَشْرُوعٍ، لَمَا كَانَ لِفَاعِلِهِ نَصِيبٌ فِي فَضْلِهَا، وَلَا يَحْصُلُ عَلَى رَدِّ السَّلَامِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ عِنْدَ بَيَانِ فَضِيلَتِهِ ; لِعَدَمِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ، فَكَأَنْ يُقَالُ مَثَلًا: فَأَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، إِلَّا مَنْ شَدَّ الرَّحْلَ لِذَلِكَ. أَوْ يُقَالُ: مَنْ أَتَانِي مِنْ قَرِيبٍ فَسَلَّمَ عَلَيَّ. . . إلخ. وَلَكِنْ لَمْ يَأْتِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا التَّنْبِيهِ وَبَقِيَ الْحَدِيثُ عَلَى عُمُومِهِ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَيْنَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لِمَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حُقُوقٍ وَخَصَائِصَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنْ: وُجُوبِ مَحَبَّةٍ، وَتَعْظِيمٍ، وَفَرْضِيَّةِ صَلَاةٍ، وَتَسْلِيمٍ فِي صَلَوَاتِنَا، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَسَاجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا، بَلْ وَعِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ مِمَّا لَيْسَ لِغَيْرِهِ قَطُّ.