الإيمانية اعتقادا وعملا، فإنه سيجد أرضًا يقيض الله له فيها ما يرغم به أنف عدوه، فإن قيض الله له العودة إلى وطنه عاد عزيزا بدينه موفورة كرامته، وإن توفاه الله في الهجرة بموت أو قتل كان أجره على الله، لوفرته غير مقدر بتقدير البشر قال تعالى:
{وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ} من يهاجر في سبيل الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حي، أو يهاجر لدينه في كل زمان {ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ} ثم يموت في مهجره {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ولفظ"وقع"بمعنى وجب، لأن الوجوب والوقوع يتواردان على معنى واحد كما في قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} الحج 36، أي وقعت على الأرض، وقد روي أنه لمّا نزل قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ... الآية، كتب بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين من أهل مكة، وكان جندب بن ضمرة مريضًا، فدعا أبناءَه وقال لهم: احملوني إلى المدينة، فحملوه على سرير، فلمّا بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله وقال:"اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايع عليه رسولك صلى الله عليه وسلم ثم مات فنزلت فيه هذه الآية، إلا أنها تعمّ أمثاله في كل عصر ولا يخصّصها سبب النزول. وقد أبهم تعالى أجر الميت في الهجرة وجعله حقا عليه بقوله: {فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} للإشارة إلى عظم قدره وجزيل مقداره، مثلما أبهم أجر الصيام بقول رسوله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) ."
{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} غفورا لذنوب المهاجرين رحيما بهم، يخفف عنهم محن الغربة ولأواء الهجرة وأشجان فراق الأهل والوطن، قال تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} آل عمران 195.