فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 326

منعها من الهجرة زوجها أبو العاص بن الربيع، أبى أن يطلقها قائلا:"والله لا أفارق صاحبتي" [[1] ]، فلما أسر في بدر أطلق سراحه الرسول عليه الصلاة والسلام بشرط أن يسمح لزينب بالهجرة، فلما وصل إلى مكة أذن لها بذلك.

{فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ} ولفظ"عسى"للترجي والإطماع في عفو الله ومغفرته، وما كان منه تعالى كذلك فهو لليقين. كما في قوله تعالى: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} النساء 84، وقد كف الله تعالى بأسهم وهزمهم، {وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} وكان شأنه تعالى أزلا وأبدا أن يعفو عن المخالفات ويغفر الزلات التي لها أعذار صحيحة، قال عز وجل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} البقرة 286 وقال: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} النحل 106، وقال صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان و ما استكرهوا عليه) .

ويتجاوز النص القرآني هذه الحالة الخاصة من ذوي الأعذار، وقد وضع حكما عاما بوجوب الهجرة على كل مسلم مستضعف متى وجد أرضا يجهر فيها بعقيدته ويؤدي فيها عباداته ويربي فيها أبناءه على تعاليم دينه غير خائف ولا مضطهد. يتجاوز النص القرآني إلى تقرير وعدين قطعهما الحق سبحانه على نفسه للمهاجرين في سبيله، أولهما:

{وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} والهجرة في سبيل الله تستوجب أن تكون نيتها معقودة على هدف إقامة الدين ونشره والبحث عن ملاذ آمن للعبادة الصحيحة والدعوة الصادقة، وأن يقوم المهاجر بذلك حقا في مهجره، فلا تستلبه أهواء الدنيا وأطماعها ولا يستذله طاغوت آخر فيجبره على تزييف الدين وقول الباطل إرضاء لفلان أو علان كما هو مشاهد لدى من ألجأهم ظلم الحكام إلى ظلام الجهل والانحراف وقول الزور طلبا للجاه والمال والسلامة.

إذا صحت هجرة المؤمن ابتداء بالنية الصادقة وانتهاء بالصدق مع الله والصدق في القول والعمل كانت النتيجة الموعودة من الله تعالى أن يجد المؤمن في مهجره {مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} والمراغم من الراء والغين والميم هو التراب، يقال: أرغَمَ الله أنفَه، ثم حُمل عليه الرَّغْم وهو أنْ يفعل المرء ما يكرهُ، وعندما يعاني المؤمن من الذلة والاستضعاف في وطنه ثم يلجأ إلى العلاج الرباني وهو الهجرة بشروطها

(1) - أبو العاص بن الربيع أمه هالة بنت خويلد وخالته خديجة الكبرى رضي الله عنها، لما استحكمت العداوة بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم طلبت قريش من أبي العاص بن الربيع أن يطلق زينب كما فعل ابنا أبي لهب بأختيها فامتنع وقال:"والله لا أفارق صاحبتي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت