ويختم هذا الحوار الرهيب بالحكم الصارم الذي يصدره الحق سبحانه في حق هذه الطائفة بقوله عز وجل: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ} مسكنهم الذي يؤويهم في الآخرة هو: {جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} وبئس هذا المأوى الذي يصيرون إليه، والذي أكده تعالى في سورة أخرى بقوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} النحل 28/ 29.
ذلك لأن الاستضعاف ينبغي أن لا يُتَّخَذ ذريعة للركون إلى الاسترخاء والتقاعس عن القيام بأمر الله، أو تُكَأَةً نلقي عليها تبعات ما يجب علينا نحو أنفسنا أو نحو ديننا وأمتنا فنقحمه عذرا لتقصيرنا أو مبررا للمحافظة على مكاسب دنيوية لدينا، بتحريم الحلال استضعافا، أو إباحة الحرام استضعافا، أو تزكية الفساد والظلم استضعافا. إن الاستضعاف مجرد تسلط على المؤمن من غيره، وليس ضعفا مهينا في نفسه أو خنوعا ذليلا في شخصيته، أو موافقة للظالمين على ظلمهم أو مسايرة للفسقة على فسقهم، الاستضعاف الشرعي لا يتحقق إلا بخضوع معناه لضوابط العقيدة وأصول الشريعة، ولا يعمل به إلا بعد انسداد الطرق واستنفاذ الوسائل، فيكون لزوم البيت بعيدا عن الباطل ودعاته والفتن وأهلها إن قل الناصر وعجز المرء عن الهجرة وافتقدت السبل إليها. قال صلى الله عليه وسلم: (سيليكم خلفاء من بعدي يعملون بما يعلمون، ويفعلون ما تعرفون، ثم يليكم بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون، ويفعلون ما لا تعرفون، فمن اعتزلهم سلم، ومن كان معهم كان منهم) . والله تعالى لم يعذر المستضعفين في طاعتهم أسيادهم الظالمين بل جعل مصير الجميع إلى النار وقال: {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سبأ 33
ثم يعود السياق القرآني تحقيقا لعدل الله ورحمته ليستثني من هذا المصير كل العاجزين حقا عن الهجرة بقوله تعالى:
{إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} وهم العجزة من كبار السن، والعبيد والإماء، والمؤمنات اللائي مُنِعْنَ من الهجرة والصبية من أبناء المستضعفين، ومن الذين منعوا من الالتحاق بآبائهم المهاجرين، كلهم ليست لهم حيلة يحتالونها للهجرة ولا لهم إليها طريق. وكان منهم عبد الله بن عباس وأمه، وزينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم،