ولئن كان التأكيد بحرف"إنَّ"في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} نذيرا بشناعة ظلم النفس شركا وتعرضا للفتنة في الدين بمعاشرة المشركين، وإعانتهم على المسلمين، فإن تمام الجملة بخبر"إنَّ"كان موقف ملائكة الموت عند تَوَفِّيها لهم وقبض أرواحهم إذ سألوهم:
{قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} وهو سؤال توبيخ وتقريع في النزع الأخير للمسلمين الذين ارتدوا أو أعانوا المشركين في حربهم على المسلمين، وتساؤل مشحون بالسخرية بهم والتعريض بمصيرهم في النار: {فِيمَ كُنْتُمْ} في أي الفريقين كنتم؟ أفي فريق المسلمين أم في فريق المشركين؟، فيم أفنيتم أعماركم وماذا كان عملكم؟
وكحال من أيقن بمصيره المشؤوم الذي لا مفر منه يحاولون الاعتذار بالضعف عن الصمود في وجه المشركين بمكة أو العجز عن الثبات على الدين في أي مكان آثروا المقام به لغلبة الأعداء عليهم وهيمنة الجبابرة على إراداتِهم: {قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} قالوا كنا مكرهين على الكفر في مقامنا بمكة، عاجزين عن اتخاذ موقف حازم رشيد في أمر ديننا ومواجهة استبداد الكفار وتحكمهم في مصائرنا، أذلة يستضعفنا الأقوياء في بلدنا فنهاب سطوتهم ونخاف بطشهم ونحرص على البقاء بجوارهم. وحسبوا قولهم هذا عذرًا يبيح ردتهم، أو تخلّفَهم عن الهجرة التي فرضت عليهم في تلك المرحلة أو مشاركتهم المشركين في حربهم ضد الرسول صلى الله عليه وسلم ببدر، إلا أن الملائكة لم يعبؤوا بهذه التعلات الواهية ودحضوها بسؤال آخر استنكاري لشناعة الفعل وفساد الاعتذار: {قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا؟} إن أرض الله واسعة، ومن ضاقت بدينه أرض تحول إلى غيرها طلبا لسلامة الدين والنفس والولد، والله تعالى يقول: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} الزمر 10، ولكن الحرصَ على الأموال والمصالح والخوفَ الوهمي من مفارقة الديار والأوطان، وعدمَ الثقة بالله الذي أمر بالهجرة وفرضها، جعلهم يمتنعون عن الهجرة ويتمسكون بأرض الشرك والضلال، وقد خلق الله تعالى أرضه لعباده واسعة للهجرة منها وإليها كلما ضاقت بالمؤمن سبل العيش الكريم والقيام بأمر الدين.