الحكام وأنظمة الجهل والظلم، وبين من يضرب في الأرض الأيام والليالي مهاجرا أو مقاتلا، أو مُجَنْدَلا بين كواسر العِقبان وضواري السباع.
ولئن جعل الحق تعالى لمن يقدم على الهجرة والجهاد أعظم الجزاء وأوفر الأجر كما ذكر في آيات الحلقة السابقة فإنه أيضا قيض للمهاجرين والمجاهدين رحمة بهم وتخفيفا عنهم من أسلحة الدعاء والاستعانة ما يمكنهم من تحقيق الفوز نصرا أو شهادة، قال أبو طلحة رضي الله تعالى عنه:"كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فلقي العدو فسمعته يقول: (يا مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين) ، فلقد رأيت الرجال تصرع تضربها الملائكة من بين أيديها ومن خلفها". والمجاهد بذلك مهما أعد من سلاح وبذل من مال ونفس، وأخذ لمنازلة العدو أهبته، واستنفد وسعه وجهده يظل مقصرا في الإعداد قاصرا عن بلوغ المراد، ما لم يستعن حقا وصدقا برب العالمين وقد قال صلى الله عليه وسلم (احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) . وليس أبلغ في ذلك مما أرشد إليه الحكيم الخبير مرتين في سورة واحدة فقال:
{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} البقرة 45، أي: استعينوا في كل ما تأتونه وما تذرونه بالصبر على ما يشق على النفس من مكاره الهجرة والجهاد ومدافعة العدوان، وبالصلاة التي هي أمُّ العبادات ومِعراجُ المؤمنين ومدارج السالكين. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} البقرة 153، ثم عقب عليها ببيان المقصود منها بقوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} البقرة 154. فجمع في آيتين متتابعتين من الدين رأسه وعموده وذروة سنامه، وهو ما بينه صلى الله عليه وسلم بقوله: (رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد) ، وكانت الصلاة بذلك هي الركن الذي لا يفارق الجهاد إلى يوم القيامة، إذ لا يكون جهاد بدون صلاة لأنها عمود الفسطاط بغيرها تنهدم الأركان وتقتلع الأوتاد وينهار البنيان.
وما دام هذا حكم الصلاة، لا تسقط عن صاحبها في سفر أو حضر، في سقم أو عافية في سلم أو حرب فقد جعل الحق سبحانه أحكامها مرنة تسع كل حالات الإنسان المكلف، وتتكيف مع ظروف استطاعته ووسعه إن قائما أو قاعدا أو على جنبه أو ليس له للقيام بها إلا الإيماء والإشارة. لذلك نزلت أحكامها في القرآن مجملة، أما أوقاتها وأعمالها وأعدادها وتشريعاتها وكيفياتها فقد تكفلت ببيانها السنة