فهرس الكتاب

الصفحة 236 من 326

النبوية الشريفة، إلا حالة مخصوصة من حالات الصلاة تكفل القرآن الكريم ببيان معظم أحكامها وكيفياتها وهي صلاة الخوف أثناء الجهاد والهجرة ومحاذير الطريق، وكان الانتقال إلى تشريعها في سورة النساء عقب ذكر الجهاد والسعي للخروج من سلطة الكفر، كيلا يدعي مدع أن الفرار أو القتال يمنعانه من أدائها في وقتها، أما سبب نزولها فقد روي عن أبي عياش الزرقي أنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال لو أصبنا غِرَّتَهم، فقالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآيات بين الظهر والعصر ... الحديث) ، وقد بدأت هذه الآيات الكريمة ببيان الحالات المبيحة لصلاة الخوف ثم بأحكامها وأعمالها تاركة للسنة النبوية تكييف هذه الأحكام ميدانيا مع ظروف الخوف ومتغيراته، وذلك بقوله عز وجل:

{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} والضرب في الأرض هو السير فيها سفرا أو تجارة أو هجرة أو جهادا، والجناح هو الحرج والمأثم، والقصرُ خلاف المدِّ يقال: قصَرْت الشيءَ أي جعلته قصيرًا بحذف بعضِ أجزائِه أو أوصافِه، وقصر الصلاة إن أطلق هو النقص من ركعاتها للسفر، ولم ترد أحكامه في القرآن كما في صلاة الخوف، وإنما بيّنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم إذ صلى الرباعية اثنتين، ولم يقصر الصبح كيلا تصير ركعة واحدة فتكون وترا ولا المغرب لئلاّ تصير شفعًا إن صلاها اثنتين وهي وتر النهار، أما المراد به في هذه الآية فهو قصر الخوف الذي بينه القرآن الكريم والسنة الثابثة، ويجوز فيه ما لا يجوز في صلاة الأمن.

هذه الآية امتدادٌ للآيات قبلها في الجهاد والهجرة، وشروعٌ في بيان كيفية الصلاة عند الخوف، وقد بين الله تعالى فيها أن الصلاة لا تسقط بأي عذر. وإنما يخفف منها بقَصْر كميتها أو كيفيتها فيجوز فيها أثناء الخوف ما لا يجوز في غيرها من صلاة الأمن، كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة ويقف دون تسليم حتى يأتي البعض الآخر فيصلي بهم الركعة الأخرى، وكأن يصلي المجاهدون إيماء عند الالتحام ركبانا أو رجالا [[1] ]، متوجهين للقبلة أو غير متوجهين، كما بَيَّن أن القصر المقصود بالآية هو قصر الخوف بقوله تعالى عقب ذلك:

{إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} أي: إن خاف المسلمون أن يدهمهم العدو أثناء الصلاة أو كانوا في قتال مشروع ضد العدو الكافر أو ضد المسلم المهاجم

(1) - رجالا: راجلين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت